Translation Sample_ES

Traducción del artículo “CIVIL SOCIETY: A CRITICAL INTERROGATION”. Para descargar la versión inglesa, haga clic en el botón “descargar” al final de esta página.

تغيير التوقعات: مفهوم وتطبيقات المجتمع المدني في التنمية

العالمية

المجتمع المدني: عرض نقدي

جودي هاول . مركز دراسات التنمية الدولية / جيني بيرس . قسم دراسات السلام. جامعة برادفورد

١٩ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٧ ، ترجمة علي عبد الرزاق

في لقاءه الأول مع التطور كان المجتمع المدني يستخدم بطريقة غير متطورة من قبل المفكرين والواقعيين والنشطاء. كان يعني غالباً المنظمات غير الحكومية، لقد استعمله المانحون والمنظمات غير الحكومية بشكل ذرائعى. على كلٍ فإن جهوداً ووقتاً قد استُثمِرا من أجل تحديد معناه منذ أوائل التسعينيات. أُثير نقاشٌ كبيرٌ حول هذا المفهوم لكن هذا النقاش لم يكن دائماً كافياً لتوضيح ما كان يُعتبر عاملاً أساسياً في عملية التنمية في الجنوب.

فرضية هذا البحث تقوم على أنه توجد مقاربتان للمجتمع المدني. أولاهما ما يمكن أن يُسمى المقاربة السائدة والأخرى هي المقاربة البديلة. كلٌ منهما تصدر عن مدرسةٍ فكريةٍ مختلفةٍ وتجد تعبيراً عنها في مؤسساتٍ وسياساتٍ تنمويةٍ خاصةٍ كالبنوك الدولية ومؤسسات التنمية الدولية والحكومات. يجب أن نلاحظ أن الفقر وعدم المساواة وبعض المؤسسات غير الحكومية تعتبر مشاكل للاقتصاد العالمي لكن هذه المشاكل يمكن أن تُحلَّ بالتوجيه الصحيح للسياسات. فكرة المجتمع المدني السائدة هذه تستند على تاريخٍ خاص بهذا المفهوم تجعله مناسباً لحل مشاكل جدول أعمال من هذا القبيل. ثمة نداءات متزايدة للشراكة في بناء نهج توافقي للنموبين المجتمع المدني والسوق والدولة. ذلك مرتبطٌ بالخطر على التضامن الاجتماعي من قبل السعي غير المقيد للأفراد وراء الربح في السوق. لقد بدأ استعمال تعابيرَ مثل الرأسمالية الاجتماعية المسؤولة.

حركات غراس روتس “جذور الأعشاب” [1] والمؤسسات غير الحكومية التي غيرت توجهاتها تبحث عن أصلٍ بديلٍ لهذا المفهوم الذي يطرح مفهوماً نقدياً للاقتصاد العالمي. تصحيح سياسات حل المشاكل ليس كافياً، يجب أن توجه الاقتصاد قاعدةٌ جديدةٌ من القيم والألويات ينتج النموخلالها. بدلاً من الشراكة يسعون لإظهار أنّ علاقاتِ القوة وعدم المساواة تجعل من التنمية غالباً صراعاً أكثر منها تقدماً رضائياً، يتساءلون إلى أي مدى سيكون الربح التجاري غير القيد متوافقاً مع المسؤولية الاجتماعية والاثنية للمجتمع الأوسع.

ليست المقاربة السائدة ولا حتى البديلة منسجمةً ولا متكاملةً، إنهما عبارةٌ عن نقاشاتٍ متعددةٍ وفروق دقيقةٍ متضمنةٌ داخل كلٍ منهما. مع ذلك نحن نستخدم هذه الأنماط التفكيرية لاستكشاف الفروق التي يبدو أنها تصنع السياسة والممارسة، مشددين على أنه من الجائر تقسيم المعاني التي تحملها. نحاول إبراز وجهة نظرنا بأن هذا المفهوم هوقاعدةٌ لكنه يجب أن يُعَالَج لا أن يُقبَلَ دونما نقد. هذه الورقة تحاول نقدياً أن تبرز بعض الإفتراضات التي وضعها المانحون حول العلاقة بين المجتمع المدني و”الدمقرطة” والسوق، يفترض أنه ثمة صورةٌ سائدةٌ وأخرى بديلةٌ للمجتمع المدني، متأثرةٌ بطبيعة تدخل المانح ونتائجها المحتملة. الورقة تتأمل مفاتيح النقاشات الناشئة عن محاولات المانح المستمرة تقوية المجتمع المدني، معطيةً انتباهاً خاصاً لسياسات التعددية والاختيار، وأيضاً لسياسات المفاهيمية والتنظيمية الجامعة، إضافةً لسياسات الحكم الذاتي والتبعية. على ضوء هذه التحليلات تقترح كيف يمكن المضي قدماً بفكرة المجتمع المدني.

الديمقراطية والمجتمع المدني

المانح ينطلق من افتراضيين ضمنيين، المساهمات الديمقراطية في التنمية والمجتمع المدني هوامتحانٌ ديمقراطيٌ للدولة. الجدال الذي ظهر في الثمانينينات في البحوث الأكاديمية والنقاشات السياسية حول العلاقة بين التنمية والديموقراطية كان غير حاسمٍ في إنشاء ربطٍ واضح المعالم ذلك على رغم بعض المحاولات المتيزة نوعاً وكماً.

الكثير من هذا الجدل تمحور حول دور الدولة في التنمية أكثر منه حول الديمقراطية بحد ذاتها، كان ذلك رداً على الانتقادات للدولة النامية التي ستكون دعامة الليبرالية الجديدة (النيوليبرالية). السياسة الاجتماعية كانت تبحث عن أدواتٍ لتطبيق التنمية دونما الإعتماد على الدولة والتي تعزّز السحاة غير الخاضعة للدولة. لقد كانت تسعى لتفسير فشل سياسات التكيف الهيكلي [2] في تحقيق النتائج الاقتصادية المطلوبة. بدلاً من الاعتراض على عقيدة برامج التكيف الهيكلي عزا بعض المانحين سبب الفشل إلى دول الجنوب التسلطية والفاسدة وغير الكفؤة. هذا قاد المانحين أوائل التسعينيات لتطبيق سياساتٍ في الإقراض والدعم التقني المشروطين، هادفةً إلى تطوير الحكم الديمقراطي في أنظمة الجنوب. فكرة أنّ المزيد من الديمقراطية والمحاسبة في الدولة من الممكن أن تقود إلى تنمية ونمواقتصادي يسمحان للسوق أن يعمل بحريةٍ مسايراً قوانين العصر.

على كلٍ، برامج إصلاح الدولة تواجه العديد من المشاكل بما فيها نقص الرغبة الداخلية في الإصلاح. كيفية التغلب على هذه المشكلة قادت المانحين إلى المجتمع الذي صُوّر أواخر الثمانينيات على أنه المكان الجيد في مواجهة الدولة السيئة. اشتمل المجتمع على قوىً كامنةٍ بشكل منظمات وجماعاتٍ غير حكومية، تلك التي نظمت حملاتٍ من أجل احترام حقوق الإنسان وضد الفساد وسعت لضمان محاسبة الحكومات أما المجتمع. في أعقاب سقوط جدار برلين في 1989، بدأت مؤسساتٌ ومراكز من الولايات المتحدة برامج جديةً “لبناء الديمقراطية” في شرق أوروبا، عملت هذه البرامج على تمتين الروابط بين حرية السوق والمجتمع المدني والديمقراطية. مساعدة المجتمع المدني يمكن أن تشجع ضغطاً خارجياً على الدولة من أجل الإصلاح. أكثر من ذلك، رغم انخفاض مجموع المساعدات الأجنبية من الولايات المتحدة في النصف الأول من التسعينيات ” الإنفاق على الفعاليات المدنية بدا أنه قد تكفل بتحقيق وعد التكلفة القليلة لبلوغ أهداف بعيدة الطموح، برامج المجتمع المدني كانت تنموكلما انخفضت المساعدات”. معارضةً لهذه الأرضية، تبنت المؤسسات المانحة بحماسةٍ محاولاتِ روبرت بوتنام [3] لتأكيد الدلائل على طبيعة العلاقة بين الديمقراطية والمجتمع المدني وعملية النتقال المفترضة إلى التنمية. قبل نشر كتابه في 1993 ومقالاته اللاحقة، كانت الافتراضات قد وُضِعت سابقاً حول هذه العلاقة لكنت على الغالب كانت أقل صرامةً من أن تضع المجتمع المدني مقابل الدولة. بونتام ومنظروالمؤسسات والتيكيفيليون الجدد [4] كانوا قادرين على الإتيان بالمزيد من الحجج الرائعة عن كيفية مساهمة الجمعيات النشطة والفعاليات المدنية في السياسة الديمقراطية وكيف سيسهل ذلك التقدم والإزدهار الاقتصاديين.

ليست كل المؤسسات والمراكز المانحة والأشخاص صانعي القرار متأثرين كلياً بوجهات نظر بوتنام. المانحون الأوروبيون على العكس من ذلك، هم جزءٌ من ثقافةٍ وتاريخٍ مختلفين، ولهم تصورٌ مختلفٌ لدور الدولة والهيئات الاحتماعية. من المحتمل أكثر أنهم يلاحظون الدور السياسي والتاريخي للوحدات التجارية والكنائس والهيئات الأخرى في الصراع من أجل العملية الديمقراطية وإصلاح الدولة في أنحاء مختلفة من العالم. اليوم يرى المانحون الأوروبيون الإمكانية ذاتها في المنظمات غير الحكومية وحركات غراس روتس في الجنوب، ويعترفون بمدى قوة التباينات وعدم المساواة وأهمية العمل السياسي في إصلاح الدولة.

على كلٍ، تأثير حجج بوتنام كبير، وحدد بشكلٍ فعال تفكيرلا المانحين الأمريكيين حول العلاقة بين المجتمع المدني والديمقراطية. المسألة هي جعل الديمقراطية تعمل بدلاً من صنع الديمقراطية، أونتائج السياسة بدلاً من العملية السياسية. هذه المقاربة مدينةٌ للنظرة الأمريكية أكثر منها لتاريخها ذاته. هذه الفكرة التي أرساها اليكس توكيفيلي في كتاباته حول الديمقراطية في أمريكا أوائل القرن التاسع عشر اعتُمِدت من قبل الباحثين الأمريكيين المعاصرين في تنظيرهم للعلاقة بين المجتمع المدني والديمقراطية. تأثير هذه التصورات على فكر المانحين لخصه توماس كاروثرس بطريقةٍ مثيرةٍ للإعجاب في دراسته لبرامج المانحين الأمريكيين لتعزيز الديمقراطية. يقول :” ملتزمين بتبديل طبيعة المجتمع المدني الخيرية نظراً لدوره في الحياة السياسية، على سبيل المثال القرارت السياسية لدار البلدية الصادقة في التعبير عن مصالح جماعات الناشطين الذين يستخدمون القوانين لحل النزاعات سلمياً دون كسر أي نافذةٍ، هذه الرومانسية تجدفي النظر للمجتمع المدني تجد جذورها بالأحرى في أسطرة مفهوم توكيفيليان لمجتمعهم ذاته. لكن ذلك يستتبع سوء فهمٍ فادحٍ لتركيبة وقوانين المجتمع المدني في بلاد أخرى حول العالم”. أعمال بوتنام تمثل وعياً نيوتوكيفيلياً ناهضاً مع مؤثراتٍ ثانويةٍ للمؤسساتيى الجديدة. هذه النصوص تجعل المؤسسات على حدٍ سواء عرضةً لمتغيراتٍ كونها مشكلةٌ عبر التاريخ، وهي من جهةٍ أخرى بمنأى عن المتغيرات التي التي تؤثر على النتائج السياسية. هذا هوجوهرياً ” شروط بناء مؤسسات تمثيلية قوية وفاعلة”.

تعاظم تأثير أعمال بوتنام في التسعينيات بسبب الربط الذي أقامه بين نتائج دراسته في ايطاليا والميل إلى المجتمع الرأسمالي في الولايات المتحدة كان وقع أعماله كبيراً على المجتمع السياسي، على كلٍ فقد كانت أعماله عرضةً للنقد بسبب إغفاله لدور الأحزاب السياسية في ازدهار المجتمعات، لتأكيده على النتائج بدل العملبة، وفشله في التمييز بين القواعد الديمقراطية وغير الديمقراطية، وإغفاله القيم والتصنيفات التي تتم في مختلف القواعد والشبكات.

المقاربة الأمريكية للمجتمع المدني والديمقراطية ترى مهمة المجتمع المدني أساساً كنظام استقرار، أوبناء أوتقوية المؤسسات الديمقراطية التي تحمي قواعد القانون وشرعية المعارضة السلمية وحقها في التعبير بوسائل مقبولة. لكن لاعتباراتٍ كثيرةٍ فهي نفسها وجهة نظرٍ محافظةٌ جداً، حيث أن الاستقرار السياسي مهمٌ كالحرية السياسية والحماية من الدولة أهم من المفاهيم الإيجابية والعمل والنقاش حول ما هوالأفضل لتطوير المصالح العامة للمجتمع. التعددية تخدم في التحقق من تجاوزات الحكومة، إنها تحافظ على الحرية السلبية وتدافع عن الفرد تجاه الجماعة، وتجمع وتربط مطالب ومصالح مؤكدةً أنه من الممكن الدفاع والتفاوض عليها، إنها تحافظ على الثقافة المدنية.

على كلٍ ثمة مقارباتٍ متباينة للديمقراطية وعلاقتها بالمجتمع المدني، أحدها هوالمضمون الراديكالي للتقليد الأوروبي. هذا التقليد يجد تأثيراً خاصاً ومستمراً في العديد من منظمات غراس روتس ومؤسسات التنمية غير الحكومية. ثلاثة مواضيع تميزه عن المفهوم الأمريكي للديمقراطية والمجتمع المدني. هنالك البحث عن “الخير الجماعي”، السعي وراء اعتاق الإنسان، وتحديد شروط نقاش نقدي، عقلاني، جماعي، شامل. ثلاثتهم سويةً يتحدون الإفتراض القائل أن مجتمعاً مدنياً حيوياً وديمقراطيةً قويةً وتقدماً وتنميةً اقتصاديين متحدون نظرياً وعملياً في طريقٍ ثابت. بالنسبة للعديد من منظمات غراس روتس والمنظمات غير الحكومية فالمجتمع المدني هوميدانٌ لنقاش وتحدي الأفكار السائدة عن التقدم والتطور عبر المشاركة الفعالة في مجالات سياسية وغير مؤسساتية وغير رسمية. لذلك فالعديد لا يتكلفون أي جهدٍ لتقوية المؤسسات الديمقراطية الموجودة أوللدفاع عن المجتمع المدني ضد الدولة، ولكن من أجل خلق أشكالَ جديدةٍ للمشاركة حيث يكون لهم صوتٌ أثناء تقرير أي أشكال التقدم والتنمية يجب الأخذ به، آخذين هذا كله في الحسبان، فإنّ الضمنيَّ في هذه النظرة البديلة – كما نعتق- يطرح الحاجة للتجديد في النقاش حول الطريقة التي تتفاعل بها الدولة والمجتمع وحول دور الدولة، من هوالذي يحدد هذا الدور وكيف؟.

في هذا التقليد الأوروبي للمقاربة الراديكالية، يعالج المنظرون الطريقة التي تصطدم فيها عدم المساواة الاجتماعية والسياسية مع الممارسة الكاملة للمواطنة. تتمكن التعددية غالباً من المحافظة على مصالح معينةٍ على حساب المصلحة العامة أوالمشتركة، إنها تخفي مصدر القوة الحقيقي وتخلق أوهاماً حول المشاركة السياسية ودور الدولة. قلل مفكرون ماركسيون من أهمية المجتمع المدني باعتباره ساحةً أخرى تسيطر عليها المصالح الاقتصادية القوية. على كلٍ، في أواخر القرن العشرين تجاوز اليسار سلبيته تجاه فكرة المجتمع المدني واعترف بإمكانية كون نشاط الجماعات المستقلة مساهمةً في التغيير السياسي والاجتماعي. يمكن أن يكون المجتمع المدني مصدراً لإعادة خلق فضاءٍ سياسيٍ حيث تضع وسائل الإتصال غير الذرائعية المصلحة العامة على جدول الأعمال، بدون قمع التعددية والإختلافات. من الممكن أن يكون مصدراً جديداً للتفكير البنّاء حول الدولة والتنمية وكذلك مصدراً لنقد التنمية الرأسمالية.

بترجمة هذه الإمكانية على أرض الواقع حيث يستمر الإستغلال والفقر تحديين خطيرين، يجعلنا هذا النمط الليبرالي نفكر بأهمية الفضاءات السياسية العامة المستقلة. قد يساعد المانحون ضمن هذا النمط في الدفاع عن هكذا فضاءاتٍ وتعزيز شروط حياةٍ عامةٍ متماسكة، كالمؤسسات التربوية، حكم القانون، والفرص الاقتصادية. التقليد القاري الأوروبي يقود إلى التساؤل، كيف يمكن لهؤلاء المهمشين والمقصين من عملية التطور ان يشاركوا بأنفسهم في هذه الفضاءات؟ وكيف يمكن أن يحصل ذلك ومتى؟.

المجتمع المدني والدولة والسوق

منذ أواخر الثمانينيات استحوذت الإمكانية الديمقراطية للمجتمع المدني على تصورات المانحين، على لعكس من الاهتمام الأقل الذي أُعير للعلاقة بين المجتمع المدني والسوق. خطاب المانحين اتجه إلى إضاءة التوترات القائمة بين المجتمع المدني والدولة من جهة وبين السوق والدولة من جهةٍ أخرى، بينما فُهِمَت العلاقة بين السوق والمجتمع المدني ضمنياً على أنها جيدة ومنسجمة ومتكاملة.

في هذا النقد لنظرية المجتمع المدني المعاصر، يبدي فاين استياءه لنقص الترابط النقدي للمفهوم الذي ميز عصر التنوير وما بعده، مع التحذيرات من سيادة المجتمع المدني على السوق والدولة. النموذج المضاد للدولة يقود بدوره إلى ميلٍ في أوساط المانحين ليأخذوا على عاتقهم العلاقة بين المجتمع المدني والسوق بدلاً عن التشكك فيها، ليفشلوا في الإستكشاف النقدي للتوترات والتناقضات الضمنية لهذه العلاقة. فارتي يقدم هذا على أنه مفارقةٌ تاريخيةُ: “الكثير من التطور التاريخي لمفهوم المجتمع المدني أخذ مكانه ضمن مجال الاقتصاد السياسي ومع ذلك فقد تم استبعاد الاقتصاد السياسي من مطروحات المجتمع المددني المعاصرة”. في هذا المجال نكتشف أولاً أن العلاقة بين السوق والمجتمع المدني ما زالت إلى حد كبير غير قابلةٍ للجدل أوالنقاش في الخطاب السائد للمانحين، ثانياً التركيز أكثر على بعض الطروحات حول المسؤولية الاجتماعية التي تفرضها الرأسمالية على العلاقة بين المجتمع المدني والسوق والتي تسيطر على أفكار المانحين.

بدايةًَ بالعلاقة بين المجتمع والسوق، نفترض أن مجموعتين واسعتين من الأفكار حول هذه العلاقة قد بدأت بالتبلور في التسعينيات. ذلك يعبر بطرق عديدة عن الإستياء من عواقب الرأسمالية الجامحة التي يؤيدها الليبراليون الجدد وخيبة الأمل من قيادة الدولة لعمليات التنمية. سواءً بالنسبة للكينسيانيون [5] أوتنويعات الدولة الإشتراكية. ذلك جزءٌ من التحول النموذجي حيال الدولة والمجتمع المدني والسوق، النموذج الثلاثي الجديد للتنمية. فيما تؤيد مجموعةٌ واحدةٌ من الأفكار الطابعَ التوافقي للوحدة الثلاثية وتفترض علاقةً إيجابيةً بين المجتمع المدني والسوق، تسلط المجموعة الأخرى الضوء على الطابع الخلافي العميق لهذا الثالوث، وتناقش فرضية التبادلية للمجتمع المدني والسوق. نميز المقاربة الأولى على أنها الرأسمالية الاجتماعية المسؤولة، فيما الثانية هي البديلة للرأسمالية. هذا برز من  اتجاهين تأصيليين في أفكار المجتمع المدني وهما وجهة النظر السائدة والبديلة. المصطلحان الرأسمالية الاجتماعية المسؤولة والبديل الرأسمالي يخدمان كاختزال مفاهيمي لنسقٍ من الأفكار الشبيهة والسياسات والتطبيقات المرتبطة بالعمليات الاجتماعية للإنتاج الاقتصادي. نظرية الرأسمالية الاجتماعية المسؤولة أثرت بقوة في أفكار المانحين السائدة منذ التسعينيات، وتتجه لتكونَ تياراً فكرياً ستئداً في بحوث وتطبيقات التنمية. أفكار البديل عن الرأسمالية تنتشر أكثر بين نشطاء غراس روتس، الحركات الاجتماعية وبعض المنظمات غير الحكومية في الجنوب والشمال متحديةً البنى السائدة للتنمية.

اهتمامنا الثاني في هذا القسم يتركز حول بعض افتراضات الرأسمالية الاجتماعية المسؤواة التي تطرحها حول علاقة المجتمع المدني والسوقوالتي تستحوذ على ال اتجاه السائد لأفكار المانحين. تفترض الرأسمالية الاجتماعية المسؤولة ان المجتمع المدني واقتصادات السوق مرتبطةٌ يقيناً غير أنهما يعملان منفصلين كفضاءاتٍ مستقلة. خكذا يظهر المجتمع المدني كأسلوب لحل كل تناقضات وتوترات الرأسمالية، وبشكلٍ خاص آثارها الإقصائية غير المساواتية والتنافرية. هذه الآثار شغلت قبلاً المفكرين منذ عصر التنوير عندما كان المجتمع المدني قد انفصل لتوه مفاهيمياً عن الدولة. التجربة المعاصرة لدولانية-الرفاه الاجتماعي والإشتراكية القائمة والعولمة قد أعادوا إحياء كل هذه القضايا.

على أي حال، سندقق هذه الافتراضات في أربع نقاط. الأولى، إنّ التنمية الرأسمالية ليست حتميةً، ومن الطبيعي أن تعطي دفعةً لمجتمعٍ مدني مستقلٍ ومزدهر. يفترض ذلك لأن المجتمع المدني في صيغته الحديثة كنقيضٍ للصيغة الكلاسيكية انبثق من الرأسمالية وجنباً إلى جنبٍ معها. المجتمع المدني هوكلا الأمرين، ناتجٌ طبيعي وجزءٌ عضوي من الرأسمالية. تاريخياً كان المجتمع المدني تعبيراً عن انحلال روابط التضامن الإحتماعي التقليدية وظهوراً لأشكال جديدة من الإندماج في سياق التحديث الرأسمالي. نأخذ هذه المسألة مع افتراض الغائية والسببية، نفترض أن ظهور مجتمع مدني معارضٍ في دولةٍ اشتراكية ينعكس سياسياً أكثر منه اقتصادياً. في الخمسينيات والستينيات تحدى المجتمع المدني الموجه في أوروبا الشرقية بشكلٍ مشتت تسلط النظام الستاليني وسيطرة الإتحاد السوفييتي. لما بدأت اقتصادات أوروبا الشرقية أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات في الركود بدأ المثقفون والعمال وغيرهم النقاش حول البدائل والتنظيم، غالباً تحت حماية الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية أوعبر وسائل أخرى. المطالب بالديمقراطية أثناء الثمانينيات عكست أمرين: تزايد قوة مجتمعٍ مدنيٍ مزدهر ويأس منتظومة المصلحين من إمكانية إصلاح النظام من الداخل. بدايةً كانت هذه حركات مطالبةٍ بأشكال جديدة للإدارة الذاتية للاقتصاد الإشتراكي وليس ب اتجاه اقتصاد السوق. مطالب المجتمع المدني تزامنت على أي حال مع الضغط المتزايد للتحويل من تخطيط الدولة إلى بدائل السوق. مثبتةً أن الحرية الاقتصادية والحرية السياسية متلازمتان. هكذا ظهر المجتمع المدني في أوروبا من خلال منطق سياسي لا من خلال منطق السوق.

إضافةً لذلك، نجاخ الاقتصاد الرأسمالي في مجتمع تسلطي أونظام عسكري يشكك في العلاقة الحيوية الإيجابية بين الرأسمالية والمجتمع لمدني. حالة النمور الأربعة الصغار، سنغافورة وتايوان والهونغ كونغ وجنوب كوريا تعطي مثالاً عن هذه الظاهرة الشاذة. النظرية الأضعف هي أن المجتمع المدني هوسمةٌ اجتماعية للنموالاقتصادي لا تصمد أيضاً، الصين عاشت معدلات مذهلةً لنموالناتج المحلي الإجمالي أثناء مرحلة الإصلاح بمعدل نمووسطي مقداره 8% سنوياً وقامت بخطواتٍ فعالةٍ لرفع معلات النمووتخفيض مستوى الفقر في الريف. مقارنةً بالهند وبنغلاديش فإنّ وجود منظماتٍ غير حكوميةٍ يعتبر محدوداً. وفي حين يوجد في بنغلاديش مجتمعٌ مدنيٌ حيويٌ مع الكثير من لمنظمات غير الحكومية المحلية والدولية فإنها تظل من أفقر البلدان في العالم. وبالمثل ورغم ما يقال أنها الديمقراطية الأكبر في العالم وبيتاً للعديد من الجمعيات الخيرية المحلية والمنظمات غير الحكومية وجماعات الرأي، فإن الهند لديها مستواً عالٍ من الفقر والأمية يعبتر أعلى منه في الصين. لذلك فإننا نجد اقتصادات سوقٍ قائمةً جنباً إلى جنبٍ مع نظامٍ ديمقراطيٍ حر وحياةً اجتماعيةً مزدهرةً، ونظماً تسلطيةً مع مجتمعاتٍ مدنيةٍ مقيدةٍ بشدة، اقتصادات سوقٍ فقيرةٍ مع منظمات مجتمع ممدني حيويةٍ ومتعددةٍ متعارضةً مع اقتصادات سوقٍ منطورةٍ وحيويةٍ ومجتمعٍ مدنيٍ مقيد. كل هذا يضعف الإفتراض بأن اقتصاد السوق من الضرورة أن يلد ويوسّع المجتمع المدني، لأنّ المجتمع المدني المزدهر جزءٌ عضويٌ من الاقتصاد الرأسمالي والمجتمع المدني يخدم كموازنٍ سياسي للدولة. بكلماتٍ أخرى، فإنّ اقتصاد السوق من الممكن أن يوفرَّ تربةً خصبةً للمجتمع المدني، غير أنً هذا لا يحدث دائماً.

ثانياُ، نحن نعتقد أن الحدود المفروضة بين المجتمع المدني والسوق غيرُ واضحة المعالم بما يقوض استقلالية المجتمع المدني المُرَوَّجِ لها. فيما حظت استقلالية المجتمع المدني عن الدولة باهتمام واسعٍ من الدراسات، فإنّ استقلاليته عن السوق مفاهيمياً وتجريبياً كانت مفترضةً أكثر من كونها مبرهناً عليها. رغم النقاش فيما إذا كان من الأفضل إدخال السوق ضمن المجتمع المدني أوإخراجها منه، وبشكلٍ خاصٍ فيما إذا كانت الشركات تشكل أولا جزءً من من المجتمع المدني، فإنّ المحور المركب من المجتمع المدني والسوق في النموذج الثلاثي يظلّ متفقاً عليه.

على كلٍ فإنّ ثلاثي المجتمع المدني والسوق والدولة لم يكُ دائماً مسيطراً على الفكر السياسي. مفكروعصر التنوير وما بعده في منتصف القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بدؤوا بالنموذج الثنائي للدولة والمجتمع المدني/ الاقتصادي. في القرن العشرين فقط بدأ مفهوما المجتمع المدني والاقتصادي بالتميز عن بعض كفضائين مستقلين. في النموذج النيوليبرالي تم الفصل بين المجتمع المدني والاقتصاد إلى حد غياب المكونات المادية للمجتمع المدني والآثار السلبية للسوق على المجتمع المدني قد غابت عن العين. على العكس من ذلك فإنّ النظرية الراديكالية البديلة تسلط الضوء على الآثار السلبية والمدمرة المحتملة للاقتصاد على المجتمع المدني وتطلب تفهماً لحيوية علاقات القوة في المجتمعات الرأسمالية.

كمانحين وباحثين عملوا على تحديد ما هوالمجتمع المدني وتوضيح مرجعيته التجريبية، قاموا بتمييز مفاهيمي هام بين المجتمع المدني والسوق، لقد عززوا المفهوم الثلاثي وبذلك فإنهم قد خلقوا قطيعةً تامةً مع المفهوم الإختزالي لعلاقات المجتمع المدني/ الاقتصادي. مفتاح تمنييز المفهوم كان هنا عدم الربحية. عبر هذا المعيار أصبح بالإمكان وضع المنظمات إما ضمن نطاق السوق وإما ضمن نطاق المجتمع المدني، وهكذا تمّ فصل المجتمع المدني عن الاقتصاد نهائياً وإلى الأبد.

ثمة تناقضٌ هنا، وإن كان يبدو أنّ المجتمع المدني سيصل إلى مداه الأخير كفضاء مفاهيمي منفصل عن السوق، فإنّ تمييزه بمعيار غير الربحية يهبط به إلى قاعدة النشاطات الاقتصادية، وهكذا فإنّ القطاع الربحي سوقٌ والقطاع غير الربحي لمنظمات المجتمع المدني ليسا سوى وجهين لعملةٍ واحدة هي الاقتصاد. إنّ القطاع غير الربحي يعمل كفضاء لنشاطاتٍ اقتصادية تولد نتائج بأشكال مثل المدارس، الجامعات، المشافي، العيادات، مطابخ الحجساء. هذا بدوره يؤمن دخلاً ووظائف ويضيف إلى الناتج القومي الإجمالي. أشمل دراسةٍ للآن عن القطاع غير الربحي هي لجون هوبكنز ” مشروع القطاع غير الربحي المقارن”. والتي أنشأت قاعدة بيانات عالمية عن القطاع غير الربحي في اثنين وعشرين بلداً. مفتاح البحث في عمل سالامون وانهايير كان أن القطاع غير الربحي يمثل قوةً اقتصاديةً كبيرةً في البلاد تحت البحث. على سبيل المثال هذا القطاع في الإثنين وعشرين بلداً تحت البحث يوظف تسعة عشر مليون عاملٍ بدوامٍ كامل، بما يعادل قرابة السبعين بالمائة من الوظائف المدفوعة في غرب أوروبا و2,2 بالمائة في أمريكا اللاتينية. مساهمة القطاع غير الربحي في الحياةوالاقتصادية كما عرضها تجريبياً سالامون وأنهايير تؤكد على الإنفصال المفاهيمي للسوق الاقتصادية المنظمة حول السعي الأقصى للربح، عن المجتمع المدني المبني على النشاطات الاقتصادية غير الربحية.

ثمة بعد آخر لمشكلة الإنفصال الواضح للمجتمع المدني عن السوق تستحق التأمل فيها. ففيما يؤمن السوق قاعدته المالية عبر التراكم الرأسمالي، والدولة تولد دخلها من الضرائب وأحياناً من ممتلكاتها فالمجتمع المدني ليس له مصدر ثروة واضح. إن عُرّف على أنه غير حكومي يجب أن يكون مستقلاً مادياً عن الدولة وإن قيل بأنه غير ربحي فيجب ألا يراكم رأسمال. كل ذلك يتوقف نظرياً على مصدر التمويل المادي في المجتمع المدني كرسوم العضوية والهبات ورسوم الخدمات. يكشف سالامون وأنهايير مجدداً وبوضوح الإعتماد المادي للمجتمع المدني ليس فقط على رسوم الخدمات وإنما على الدولة وبدرجةٍ أقل على الأعمال الخيرية. لذلك وبما أن القطاع غير الربحي هوفضاءٌ لنشاط اقتصادي يولد دخله وناتجة من جهة وهومن جهةٍ أخرى قاعدةٌ مادية مرتبطة بالدولة والسوق، فإنه تجريبياً يشوش مفهوم وضوح الحدود في النموذج الثلاثي للمجتمع المدني والسوق والدولة، المجتمع المدني مستقلٌ لكن حقيقةً في المجتمعات المدنية القائمة أوالتجريبية إنّ العلاقات بين هذه الأطراف مشوشة.

معيارياً المجتمع المدني هوشيءٌ وتجريبياً هوشيءٌ آخر. المجتمع المدني مستقلٌ كونه يحمل منطقه الخاص، لكنه أيضاً مشتقٌ وتابع. هذه النقطة تظهر خاصةً في سياق الدول المعتمدة على المعونة حيث يوفر تمويل المانحين دخلاً للناشطين في منظمات المجتمع المدني، قضيةٌ سنكتشفها بتفصيلٍ أكبر في القسم القادم.

ثالثاً. نبرهن على أنّ تعريف المجتمع المدني كقطاع غير ربحي يضعف وظيفته السياسية كعينٍ ناقدة على الدولة والسوق كليهما واللذين هما مختلفين وظيفياً ومادياً واجتماعياً. إدغام الرؤية المعيارية مع الواقعية التجريبية في الرأسمالية الاجتماعية المسؤولة يؤدي في النهاية إلى طمس وعدم تسييس العلاقة المعقدة بين المجتمع المدني والسوق. الإنشغال بفكرة الاستقلالية ومشروع السمة المعيارية يقود واقعياً إلى محاولات قوية لتحديد مقياس الاستقلالية بدقة وهكذا يمكن أن تستخدم كمؤشر لطبيعة ونضج المجتمع المدني. بالنسبة لاقتصاديين متشككين في مؤسسات التمويل الدولية مثل البنك الدولي، عملية القياس تؤكد طبيعة المجتمع المدني وتعطيها جوهراً شرعياً ويتركها سهلة التنظيم. هذا له أثر على كل حال، إبعاد الإنتباه عن السؤال الأكثر جوهريةً، أعني لمَ كانت الاستقلالية مهمةً إلى هذا الحد؟.

الفصل المفاهيمي للمجتمع المدني عن الدولة كان مهماً ليس لأنه يعبر عن واقعٍ تجريبيٍ بدقة، ولكن لأنه يجعل من الممكن حماية هذا الفضاء بوجه قمع الدولة. أثناء القرن التاسع عشر في أوروبا سيطرت البرجوازية على هذا الفضاء وسعت من أجل مصالحها الخاصة إلى حماية استقلالية المجتمع المدني بوجه الدولة الاستبدادية. أواخر القرن العشرين، رأسمالية المجتمع التجريبي ضمت منظمات خدمية ومنظمات مكرسة للنضال الفكري وحماية الحقوق المدنية والسياسية متحديةً اللامساواة العالمية. تشغل فضاء المجتمع المدني مجموعات مختلفة ذات أهداف مختلفة. يستخدم الرأسمال العالمي والمحلي المجتمع المدني ليحمي مصالحه ليس فقط بوجه الدولة لكن أيضاً بوجه الحركات العمالية وأنصار البيئة ومناهضي الرأسمالية. تسعى منظمات الرعاية الاجتماعية غير الحكومية، والجمعيات الخيرية، وجماعات المساعدة الذاتية لحماية المجتمع المدني كفضاء يؤمن الخدمات ويلبي حاجات الفقراء والضعفاء والمهمشين وتطوير الاستجابات للمشاكل الاجتماعية. أيضاً تريد جماعات الدفاع والإتحادات التجارية والجمعبات النسائية وجمعيات حقوق الحيوان وأنصار البيئة وعلماء الاجتماع بالمثل من المجتمع المدني أن يواجه قوة الرأسمال العالمي، وأن يقدمَ تصوراً لطرق بديلة لتنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية. المجتمع المدني هوفي الوقت ذاته مجالٌ لتحدي رؤى عالمية لكنه أيضاً موضوع التحدي. تأكيد الرأسمالية الاجتماعية المسؤولة على دور منظمات تقديم الخدمات في المجتمع المدني يوهن من رقابته الأخلاقية على السوق، وهكذا فإنّ الرأسمالية الإحتماعية المسؤولة تدافع عن فضاء المجتمع المدني كطريقة لتعزيز رقابة الدولة. إنها تدفع لتملق دور المجتمع المدني كرقيب على السوق. على العكس فإنّ المقاربة البديلة عن الرأسمالية تشدد أقل على البعد غير الربحي للمجتمع المدني وأكثر على فكرة أنّ المجتمع المدني كفضاء سياسي ينعكس نقدياً فيه كيف ينظم المجتمع الإنتاج الاقتصادي وإعادة الإنتاج وكيف يقوم باختبار هذه الأفكار، إنها تعزز المجتمع المدني كفضاء مُقيِّد للدولة والسوق كليهما. المجتمع المدني يفيد سياسياً كقاعدة ضغط على الدولة لتأمين حاجات العموم الأساسية بشكل لائق وتدبير مساحة للناس لينظموا جماعات الخدمة الذاتية. أيضاً يفيد المجتمع المدني كقاعدة لمقاومة رأس المال العالمي وتحميل الشركات عابرة القوميات مسؤولياتها تجاه العواقب البيئية والاجتماعية لعملياتها الاقتصادية وللضغط من أجل النظام الديمقراطى.

زيادة الاهتمام بنموالفضاء الاجتماعي غير الربحي، وتأمين الرعاية الاجتماعية وحماسة السياسيين وصنّاع القرار السياسي والجهات الممولة للبحوث يؤطد أنّ ذلك ليس مصادفةً, ويعطي شرعيةً لتحول مهم في التفكير حول صلة قوانين الدولة والمجتمع المدني والسوق في تحديد اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية والأخطار التي تولدها الرأسمالية. ضمن هذا السياق يبدو ذي معنىً تفضيل سالامون وإنهايير وصف قطاع النشاطات الاقتصادية هذا بالقطاع غير الربحي أوالقطاع الثالث على اسم المجتمع المدني، هذا التعبير يفيد في عدم تسييس النقاش حول صلة قوانين السوق والدولة والمجتمع المدني بمعالجة اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية وقضايا الصالح العام. أكثر من ذلك، من المزعج أن المانحين يستخدمون غالباً هذه التعابير بشكلٍ متبادل كتيار يسعى لتعزيز عدم تسييس أي نقاشٍ حول النموذج الرضائي للسوق والدولة والمجتمع المدني.

رابعاً: نعتقد أن اقتصاديات السوق تستطيع ان تقوض أركان المجتمع المدني المترابطة والمتكاملة خالقةً ومعززةً عمليات إقصاء إجماعي. بتقصي الاستقلال المفاهيمي للمجتمع المدني عن الاقتصاد بإمكاننا أن نلاحظ تياراتٍ تحتيةً من التوتر والتناقض حول الأثر المفتت للسوق على المجتمع المدني والآثار المصاحبة لدمج المجتمع المدني على السوق. فكرة أنّ المجتمع المدني يكمل، وفي الحقيقة، يسهل التنمية الرأسمالية هوفرضية قائمةٌ على فهم ليبرالي للعامل الاقتصادي على أنه وحدات مستقلة وأفراد عقلانيون يسعون لأقصى المنافع. هذه الفردية الاقتصادية تجد صداها في المجال السياسي لدى المنظرين الليبراليين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الذين تصوروا الديمقراطية كقضية نخبوية مقيَّدَة بحرية التصرف والتملك للمواطنين. هذا المفهوم للمجتمع المدني كمجال اجتماعي للملكية الفردية يعزز الفردية الاقتصادية كدعامة التنمية الرأسمالية، وبهذا المعنى يمكن القول أنه يسهل العملية الرأسمالية.

على كلٍ، بهذا الهجوم الحاد على الدولة، لا ينتهي النقاش حول المجتمع المدني بتأبينه فقط وإنما بإفراغ المضمون الجوهري له. الآن إذا نظرنا خلفنا إلى كتّاب عصر التنوير وما بعده، تلك الكتابات التي أعطت المفاهيم المختلفة لعلاقات المحتمع المدني- الاقتصادي، نجد تجريديةً موضوعويةً صارمةً [6] بما يهدد بإضعاف اندفاع قوى السوق لتشكيل المجتمع المدني. من جهةٍ أخرى يبدو أنّ السوق يؤمن المادة والقاعدة الاجتماعية للمجتمع المدني المستقل ضد الدولة، ومن جهةٍ أخرى يبدو أنه يقوض روابط التضامن الاجتماعي ويقيد استقلال وتعددية المجتمع المدني. فيما تعتبر النقاشات المعاصرة الدولةَ الخطر الرئيس على المجتمع المدني والمصدر الأساس للقمع السياسي، فإنّ نقاد عصر التنوير مثل فرجسون حذروا من الخطر الذي يشكله السوق على الحياة العامة.

فيما أكدت أعمال فرجسون وماركس وهيغل وغيرهم من كتاب القرنين الثامن عشر والتاسع عشر على حقيقة الطابع الإقصائي للمجتمع المدني، وشدّدت مع ذلك على الحرية والحقوق الليبرالية كميدان للاندماج والمساواة، فإنّ الطابع الاجتماعي للمجتمع المدني قد تلقى في الفكر المعاصر القليل من النقد. مناهضوالدولة الذين هيمنوا على نقاشات المجتمع المدني في الثمانينيات وأغلب التسعينيات عزّزوا صورةَ المجتمع المدني كتعددية منسجمة وموحِّدةٍ لناس يناضلون لآجل تعزيز الحريات السلبية ضد قهر الدولة، سواءً أكانت اشتراكيةً أم أوتوليتارية أم عسكريةً أم ديكتاتوريةً من السهل أن تنمحي بسهولةٍ بظهور الإنقسامات وعدم تسييس المجتمع المدني. في محاولتهم المفيدة جداً لقياس حالة القطاع غير الربحي، وقع سالامون وإنهايير في إغراء التعددية والتنوع. في قياسهما للقطاع غير الربحي وضعا جنباً إلى جنبٍ صفاً طويلاً من المنظمات بدءً من مطابخ الحساء [7] إلى المشافي الخاصة. بعملهما هذا ساهما في إخفاء اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية التي تعبر عنهما هذه المنظمات.

في أواسط التسعينيات اكتسب المانحون خبرةً أكثر في محاولة بناء “المجتمع المدني” ولاحظوا كيف أنّ المجتمعاتِ المدنيةَ الناشئة في شرق أوروبا قد فشلت في تعزيز نفسها، لتأخذ غالباً طابعاً هدّاماً معادياً للديمقراطية، وازدادت التحذيرات من الانقسامات ونموعلاقاتِ القوة غير العادلة السائدة ليس فقط في الاقتصاد وإنما أيضاً في المجتمع المدني. إدراك أنّ ثمة حواجز لدخول المجتمع المدني وأنّ المجتمع المدني مجالٌ مثلُه مثَلُ الدولة والاقتصاد تمامًا، يدعم زيادة الاهتمام بين المانحين والسياسيين وصنّاع القرار بفكرة الاقتصاد الاجتماعي. في ظل عدم عدالة القوة الاجتماعية والاقتصادية هل من الممكن ضمان المساواة في تكوين الجمعيات والمشاركة في المجتمع المدني والسياسي؟ كيف يمكن للفقراء والمهمشين أن يجدوا صوتاً لهم في المجتمع المدني؟ كيف يمكن تمويل الجمعيات والحملات عندما تكون أصول رأسمال الشركات والجماعات الاجتماعية المسيطرة أكبر بكثير؟ أي مصالح للمانحين تدفعهم لتقوية البرامج في مجتمعاتهم المدنية؟.

تقوية المجتمع المدني، تحديات للمانحين

الوكالات الأمريكية هي أكبر ممولي برامج مساعدات المجتمع المدني، لكن الطريقة التي تتصور بها المجتمع المدني وتتطلب تفعيله لها ذيولها ليس فقط بالنسبة للمانحين الآخرين، ولكن أيضاً للمجتمعات المدنية التي هي مقصد العروض لتفعيل المجتمع المدني. يجب أن يُلاحظ على كلِ حال أنَ المؤسسات المانحة تختلف في غرضها من استخدام مصطلح المجتمع المدني وفي حماستها للمجتمع المدني. أيضاً في المؤسسات توجد بين الموظفين تمايزاتٍ في تقبل المجتمع المدني وتوقعات ما يمكن تحقيقه وما هوأكثر فعاليةً ومواءمةً للعمل مع المجتمع المدني.

بالتسليم بأنّ مصالح الأمريكيين تجد غرضها الأول في إشاعة الديمقراطية، فإنّ مساعداتِ المجتمع المدني منحازةٌ ومحددةٌ لدعم قاعدة مميزة من المنظمات المحلية التي يُفترَض أنّها تتقاسم نفس القيم والأهداف. مساعدات المجتمع المدني بأية حالٍ ليست محددةً لتعزيز الديمقراطية، إنها متوافقةٌ مع جدول أعمالٍ أوسع للترويج للنيوليبرالية الاقتصادية-السياسية، الشراكة بين الحكومات المحلية مع جماعات رجال الأعمال، الاستشارات والجدل حول التوجهات والسياسات الاقتصادية [8] ضبط وتخفيض الفقر ودعم المؤسسات الاستشارية الاقتصادية النيوليبرالية [9] والمراكز السياسية، كل ذلك يخدم في صياغة توافق حول سياسات الخصخصة والليبرالية الاقتصادية.

كيف يسعى المانحون إذاً لتقوية المجتمع المدني وأية تحدياتٍ يفرضها هذا الوضع؟ جهود المانحين لتدعيم المجتمع المدني تأخذ عدة أشكال. هذا يتضمن إنشاء برامج نوعية لتقوية المجتمع المدني، غالباً ضمن برامج عن الديمقراطية والحكم، برامج نوعية عن بناء القدرة المؤسساتية لمنظمات المجتمع المدني، إطلاق شراكةٍ بين منظمات المجتمع المدني والحكومة والأعمال، دعم الاستدامة المالية للمجتمع المدني عبر دعم المؤسسات المحلية والمنظمات الخيرية. هذه المحاولات لتفعيل المجتمع المدني هي محاولات إبداعية تعد بفتح طرقٍ جديدة لمشاركة مختلف الأصوا ت المهمشة، كما يحاولون مقاومة المقاربة المتناقضة جوهرياً تجاه العلاقة بين المجتمع المدني والدولة، مفترضين أشكالاً تعاونيةً أكثر منها عدوانيةً لعلاقة متبادلة. إلى حدٍ معين فهم يعترفون ضمنياً بالأبعاد المتعددة للأفراد، وتعدد هوياتهم ودوافع التعايش المتناقضة والمصالح. من جهةٍ يسعى رجال الأعمال هؤلاء للربح ربما، لكنهم يملكون وهياً اجتماعياً يمكن أن يُعَزَّزَ من أجل المصلحة العامة. على كلٍ فهم يُظهرون الجدل والتناقضات التي يواجهها المانحون في محاولتهم بناء المجتمع المدني من الخارج. هنا نركز على ثلاثة تحدياتٍ، خاصةً سياسات التعددية والاختيار، السياسات الجامعة وسياسات الاستقلال والتبيعة.

سياسات التعددية والاختيار

تجنّب بعض الدارسين استخدام المجتمع المدني مركزين على المفهوم التقريبي والإشباع الإيديولوجي وغموض المرجعية. بإثقاله بمعاني واستخداماتٍ ذات أغراض مختلفة يعتبر ضعيفاً ليخدم جيداً كأداة تحليل دقيقة أوكوحدةٍ مستقلةٍ للبحث. مثل الديمقراطية يبدو المجتمع المدني ظاهرياً جيداً ليكون مرغوباً به كفايةً من الجميع. هكذا بدون تعريفٍ أدق يبدو كحلوى لطيفة اللون، كسكرٍ على اللسان لكن قوامه كالهواء.

فيما حاول الأكاديميون والباحثون غالباً أن يتجنبوا عدم الدقة في معالجتهم التجريبية للمجتمع المدني، فإنّ الجهاتِ المانحةَ التي واجهت مهمة تطوير وحضانة وتعزيز المجتمع المدني أُجبِرَت على محاولة وضع تصور لهذا المفهوم بدون فكرةٍ عما يشكل المجتمعَ المدني. كان من المستحيل دعم هذا الفضاء المختلف بدون الملامح، الوثائق العامة والبرامج والنقاشات بين ممثلي الجهات المانحة تكشف نقاط الالتقاء والاختلاف بين المانحين حول كيف يُعَبَّر تجريبياً عن المجتمع المدني.

بالنسبة لكل المانحين فإنّ المجتمع المدني معرفٌ غالباً وفق النمط السوسيولوجي على أنه منظمةُ فضاءٍ وسيط. وهي غير السوق فهي غير ربحية وليست كالدولة فهي غير تسلطية. باعتمادهم خطاب المجتمع المدني اضطر المانحون إلى التفكير في مصطلح أوسع من المصطلح التقليدي “منظمة غير حكومية للتنمية”. فيما يعترف المانحون أنّ المجتمع المدني يضم سلسلةً من الأشكال الاجتماعية ضمن مجالاتٍ متعددة مثل نوادي الشباب، منظمات حقوق الإنسان، نوادي كرة القدم، جمعيات علميةً، وبسبب طبيعة نشاطاتها ووجهات نظرها الإيديولوجية فإنها تنشط عملياً ضمن شريحةٍ أضيق من كعكة المجتمع المدني. كان ذلك يعني للبعض استمراراً لأشكال سابقة من العمل مع منظمات غراس روتس، منظمات التنمية غير الحكومية، فيما مكّن البعض الآخر من توسيع نشاطاتهم لتضم منظماتٍ مثل الإتحادات التجارية، منظمات حقوق الإنسان، جماعات الدفاع والأعمال. وفيما تفضل الجهات المانحة التمييز بين بعض المنظمات، تحاول العمل مع كل من يميل لتحديد المجتمع لمدني ضمن قائمة طويلةٍ أوقصيرةٍ من المنظمات التي لها جوهرٌ غير سياسي، صحيٍّ وتقنيٍّ في الساحة النقابية. التأكيد على هكذا قائمة يبرز معادلةً بين المجتمع المدني والتعددية بحد ذاتها ويتناقض مع افتراض أحادية الدولة. لكنّ القوائم تميل لإخفاء مختلف علاقات القوة بين منظمات المجتمع المدني والأصوات والمصالح المختلفة. صُنَّفت هذه المنظمات كما لوأنها تنشط ضمن شروط منافسة متكافئة، وتتشارك نفس القيم وتسعى لِمُثُلٍ مشتركة. البنك الدولي بتصنيفه المجتمع المدني على أنه مكانٌ للتعبير والمشاركة يخفي التيارات السياسية غير المنظورة والتوترات بين مختلف التنظيمات. هل نفترض أنّ صوت الجماعات المعادية للسامية مرغوبٌ أخلاقياً مثل الهيئات الديمقراطية؟ هل نفترض أنّ هذه الأصوات لها نفس الوزن؟ هل الجهات المانحة حياديةٌ تجاه مختلف الجماعات في المجتمع المدني؟ لا يمكن القول أنّ المانحين غير مهتمين بالنزاع المحتمل داخل المجتمع المدني. في الحقيقة فإنّ تقرير البنك الدولي للتنمية يشير إلى تباين المصالح وتفاوت توزيع القوة ضمن المجتمع المندي، إضافةً إلى القيود على بعض المنظمات. هكذا توترات وضِعَت في الهامش أوأُشير إليها بدلاً من إعطائها الاهتمام الذي تستحق.

تعريف المجتمع المدني الذي نشره المانحون يساهم جزئياً في عمليات مؤسسات مختارة للعمل معها. هذه الاختيارات تتم وفقاً لعواملَ مركبةٍ مثل أولويات خاصة ببرامج الجهات المانحة، الفلسفة والقيم التي توجه المانح، تصورات المانح عن الجماعات المحلية مع مراعاة قيمها، قدراتها، فعاليتها، تأثيرها. هكذا فإنّ معايير المانحين التي يعتمدونها لاختيار المنظمات ليست شفافةً، وفي الحقيقة فإنّ بعضهم ليس لديه استراتيجيةً واضحةً للاختيار بين المنظمات ويعتمدون العامل الشخصي. هذه المقاربة تعكس رؤيةً للمجتمع المدني كما لوكان الفتى الطيب في المعادلة الثلاثية. رؤيةٌ نوقشت من قبل، انبثقت من جدول أعمالٍ معادٍ للدولة يحمله أنصار المجتمع المدني، تدير الصراعَ في الجانب الأكثر ظلمةً للمجتمع المدني. بعض المنظمات مثل برنامج الأمم المتحدة للتنمية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية طورت نظاماً لتوجيه عملها مع المجتمع المدني.

كل الجهات المانحة جزء من سياسات المجتمع المدني والتنمية، هكذا فإنّ الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قد ذهبت بعيداً في توضيح أهدافها ومعاييرها. فشل المنظمات الأخرى في هكذا مسألة لم يكن تأثيرٌ على فعالية برامجها فحسب، وإنما جعل من الصعوبة بمكان على المنظمات المحلية فهم طبيعة وأهداف الوكالات المانحة. باتخاذ المعيار المحدد “غير ربحي”، “غير حكومي” كخطوةٍ أولى نحواختيار المنظمات تنمحي الرؤى والقيم التي تمثلها هذه المنظمات. سياسات الاختيار مغيبةٌ عن الرؤية، وهكذا فيما تمجد الوثائق العامة وخطابات الشراكة تعددية المجتمع المدني فإنّ الممارسة الواقعية التي تنعكس في المشاريع والبرامج تظهر أنّ عملية الاختيار التي تمت ليست مصادفة. على سبيل المثال فإنّ مؤسسات التمويل الدولية والجمعيات التجارية يُرَحَب بها أكثر من نظرائها من الإتحادات التجارية. هكذا إذاً فالمظهر الحيادي لخطاب المجتمع المدني يخفي جداول أعمال سياسية ويجعل من القيم والسيطرة الإيديولوجية غير مرئية.

السياسات الجامعة

ليس فقط لأنه يوجد تيارٌ لافتراض أنّ المجتمع ضمن الأمة / الدولة متجانسٌ في قيمه وأهدافه الأخلاقية، بل أيضاً لأنه لا يوجد إلا مجتمعٌ مدنيٌ واحدٌ في العالم. التمثيل الثلاثي والتفسير المتفق عليه لهذا في فكر التنمية السائد، لديه مخططات تفصيلية للحالة. رغم أنّ بعض الجهات المانحة كالوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أعطت اهتماماً للحجج النسبية وأكدت على الحاجة لمراعاة المقاربات والاستراتيجيات للطابع المحلى. البمجتمع المدني يُفهم على أنه قاعدةٌٌ شاملةٌ وعاملٌ شاملٌ، أكثر من ذلك، مع سيطرة الولايات المتحدة عاى تقديم معونات لمجتمع المدني فإنّ هذا العامل الشامل والقاعدة الشاملة قد حُذِفَت برؤية أمريكية للمجتمع المدني تجد جذورها في أفكار توكبيليان للروابط الذاتية. اختلط الحلم بالحقيقة، وهكذا انتهت الجهات المانحة بإسقاط رؤيتها كحقيقة طبيعية راسخة على مجتمعات أخرى. غيلنر لاحظ في تعليقه على النتائج الاستبدادية للثورة الفرنسية 1789 “المجتمع الإنساني –كما يبدو – لن يدع نفسه لتطبيقاتٍ بسيطة لمخططات يطرحها الفكر المحض”.

ضمن هذه النظرة تسعى الجهات المانحة لضمان الأنواع الخاصة من المنظمات التي تشكل المجتمع المدني، منظاتٌ رسميةٌ مثل الجمعيات التجارية، منظمات التنمية غير الحكومية، الكنائس، نوادي كرة القدم وما شابه لا تُعتَبَر جزءً من المجتمع المدني، وإنما منظمات غير رسمية مثل الجمعيات القائمة على القرابة التي تنتمي إلى التقاليد أوالماضي. بالنسبة للمانحين فإنّ أهم الجمعيات هي المنظمات غير الحكومية. تُعتَبَرُ المنظمات غير الحكومية مفتاحاً، أوفي الحقيقة مكوّناً طبيعياً لأي مجتمع مدني، لذلك حين تغيب يجب إنشاؤها. الكثير من برامج تقوية المجتمع المدني أُنشأت لذلك، خصوصاً في المجتمعات التي هي في حالةٍ انتقالية حيث المجتمعات المدنية مقيدةُ بشدة. المنظمات المنشأة من الخارج يعوزها هيئةٌ اجتماعيةٌ مميزةٌ لدعمها، وبالتالي يعوزها أيّ معنى سياسي اواجتماعي بالنسبة للمجتمعات المحلية. إنشاء المنظمات غير لحكومية من الخارج يضمن أيضاً أنها ستملك مضموناً ديمقراطياً أوطموحاً لتكون رافعةً لتغيير سياسي أواجتماعيٍ أوحتى اكتساب شرعية في السياق المحلى.

أهم من ذلك أنّ التصوراتِ المسبقةَ قد تعوض فهم القوى الاجتماعية المعقدة الداعمة لعمليات التحول السياسي. بالنسبة لهان تعيق هكذا مفاهيم البحث في تعددية المجتمعات المدنية. الطريقة التي تعالج بها مشاكل المحاسبة والثقة والتعاون ليست ما تعبر عنه الأشكال المؤسساتية في المنظمات غير الحكومية. في نقده للدعم الأمريكي للديمقراطية يشير كاروثرس إلى فشل الجهات المانحة في تقدير تعقيدات الحياة الاجتماعية والسياسية في مختلف المجالات، وتجاهلها الأهمية السياسية والاجتماعية للمنظمات التي لا تتوافق تماماً مع النظرة الأمريكية السائدة لعوامل المجتمع المدني “متعهدوالديمقراطية الأمريكية بذلوا جهوداً لفهم المجتمع المدني في شروطه ضمن المجتمعات لتقليدية المعقدة في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط. إنهم يتجاهلون بشكلٍ أساسي المكونات العديدة من قبائل وطوائف وجمعياتٍ قروية وجماعاتٍ فلاحية والمنظمات الدينية المحلية والجمعيات العرقية وما شابه ذلك من مكوناتٍ أساسية يصعب فهمها لأنها لا تنخرط مباشرةً في النشاط المؤيد للديمقراطية”. متعهدوالمجتمع المدني جابوا هذه البلاد ببعثات استقصاء المجتمع المدني وأعلنوا “توجد مجتمعات مدنية صغيرة جداً”، لأنهم وجدوا قبضةً من الجمعيات غير الحكومية على النمط الغربي تكرست لنشاطات غير متحزبة وللدفاع عن المصالح العامة على الصعيد الوطني.

التصور بأنّ بناء المجتمع المدني قد يكون المشروع الذي يمكن إنجازه في مهلة خمس سنوات يتحدى التجربة التاريخية.

سياسات الحكم الذاتي والتبعية

الضعف التاريخ للبرجوازية المحلية في العديد من دول الأفريقية جنوب الصحراء، والإنخفاض النسبي لدخل الفرد ساهم في إضعاف قاعدة التمويل المالي للمجتمع المدني، وتلازم تأثير المانحين في إنشاء وصياغة المنظمات المحلية. في موزامبيق وبنغلاديش، اثنين من أفقر بلاد العالم تعتمد الحكومة والمنظمات غير الحكومية بشكلٍ كبير على التمويل الخارجي لبرامجها ونشاطاتها بما يشبه حالة التحول في أوروبا الشرقية وبلدان الإتحاد لسوفييتي سابقاً، حيث الرأسمال المحلي ضعبف والمنظمات الليبرالية هشة. لعب المانحون دوراً أساسياً في تدعيم المجتمع المدني ازدهار الجماعات النسائية في صين ما بعد ماويعود جزئياً إلى دعمٍ من المانحين قُدِّم للإعداد لمؤتمر النساء العالمي الرابع عام 1995. نظراً لآنّ المانحين نادراً ما ينسحبون بشكلٍ كامل، فهكذا مجتمعات مدنية مبنية بشكل أساسي من الخارج وليس من الداخل، أصبحت قضية الإعتماد على المعونة والتصنيع والإستدامة على مدىً طويل قضيةً مهمة. الإعتماد على الخارج يؤدي إلى تشويه جداول الأعمال المحلية للمنظمات غير الحكومية المحلية التي تتنافس على التمويل وتصوغ برامجها ونشاطاتها حسب أولويات المانحين. في المجتمعات التي يكون فيها المجتمع المدني والمنظمات الديمقراطية هشةً فإنّ وصول المانح مع تصوراتٍ مسبقةٍ عما يجب أن يفعله المجتمع المدني وعما يمكن أن يكون، يمكن أن ينتهي بإضعاف قدرة المنظمات المحلية على تطوير رؤيتها الذاتية للمجتمع المدني، وإضعاف تصورها لكيفية إنجاز تغيير سياسي واجتماعي وحلولها الخاصة للمشاكل المركزية في حياتها. في بعض المجالات تتنافس الدولة مع المانحين لتشكيل المجتمع المدني حسب تصوراتهم مدعمين فهم المجتمع المدني على أنه ضد الدولة وتعزيز السياسات التدخلية للمانح.

هكذا مع تفعيل فكرة المجتمع المدني يواجه المانحون مسائلَ محددة وتناقضات تدعولإعادة التفكير في الإستراتيجية والهدف. تدخل المانحين في المجتمع المدني يخلق سياسته الخاصة لميدان معركة تضارب القوانين والقيم والرؤى لكيف يمكن تنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية ودور الفرد والجماعة والدولة فيها. ثمة سياسات للاختيار تؤدي إلى الإندماج أوالإقصاء. ثمة سياسات شراكة تعزّز قواعد ورؤى خاصة وتدير عناصر الصراع في العلاقات داخل المجتمع المدني، وبين المجتمع المدني والدولة والسوق. المجتمع المدني لا يعير نفسه لعوامل خارجية، ومن غير الممكن أن ينشأ بمخططات في مكاتب في واشنطن ولندن. المجتمع المدني بأي حال له تاريخ ويجب أن يتطور بالتناغم مع مكوناته التاريخية السياسية والثقافية. باعتبار السياسات الجامعة والاختيار علاقات قوة متفاوتة. وفقاً لذلك من المتعذر تجنب سيطرة الوكالات المانحة بمصادر تمويلها المالية والبشرية والمعرفية على التفاعلات مع الصناديق المتلقية. هذا بدوره يُظهر التناقض، إنّ منظمات المجتمع المدني التي يفترض أنّها تتميز بسمة الاستقلال تنتهي بالتضحية بهذه الاستقلالية بدرجاتٍ متفاوتة باعتمادها على تمويل المانحين، هذا سينعكس في التنافس بين المنظمات غير الحكومية على التمويل على حساب سعيها لتحقيق تحالفات واستراتيجيات مشتركة، والتلاعب بالبرامج بدلاً من استراتيجية منسقة للتغلب على المشاكل التي تم تحديدها عموماً، وتبني أولويات المانحين لتعزيز النشاط ، وأخيراً وجود المنظمة ذاتها. بدون تحليلاتٍ دقيقة وحذرة ومسبقة للحاجات وللمجال الاجتماعي والسياسي فإنّ تدخل المانحين في المجتمعات المدنية المحلية يمكن لأن ينتهي بتشويه وإضعاف برامج الحلول والعمليات المحلية للجمعيات.

نتيجة

عبر هذا الإستعراض للمجتمع المدني نعير اهتماماً لبعض الطروحات الموضوعة من قبل مانحين وباحثين حول العلاقة بين المجتمع المدني والديمقراطية والسوق. إيجازاً للمقاربتين المميزتين للمجتمع المدني، أعني المقاربة السائدة والمقاربة البديلة، نودّ التأكيد على أنه توجد سياسات للمجتمع المدني وأنّ هذه السياسات بدورها تصطدم بمحاولات تفعيل المفهوم. نحن لا نتفق مع المشككين الذين يرون مفهوم المجتمع المدني غامضاً ومشوشاَ جداً بما يجعله غير صالحٍ لأي استخدام عملي أوثقافي. نحن نظن أنّ على الجهات المانحة كانت ثنائيةً أم متعددة الأطراف أن تكون شفافةً في فهمها لما يشكل المجتمع المدني وفي طروحاتها حول العلاقات بين المجتمع المدني ونشر الديمقراطية والتنمية الاقتصادية. يجب على المانحين الإعتراف أن ثمة سياسات للمجتمع المدني وأن المجتمع المدني ليس خطاباً محايداً ولا قاعدة وكالات محايدة. على المانحين أن يعترفوا بدورهم كممثلين في دراما المجتمع المدني. عليهم أن يكونوا متفهمين ومنفتحين على المقدمة التاريخية لجداول أعمالهم حول المجتمع المدني والعوامل التي تحدد دعمهم لمنظمات محددة مختارةٍ في المجتمع المدني، هذا بدوره يوسع الفرق بين المفاهيم النظرية والتجريبية للمجتمع المدني، الاعتراف بالمجتمع المدني كما هولا كما يجب أن يكون، هذا يعني تجاوز كل المخططات لأجل إدراك الرؤى الموضوعية للمجتمع المدني ووضع التحليلات السياسية والاجتماعية في سياقها وهذا ينير تدخلات المانحين. هذا بدوره يستلزم هدم التصورات الصنمية عن المنظمات غير الحكومية كرافعةٍ أولى للمجتمع المدني. الإعتراف أنّ أي منظمةٍ مبنيةٍ بعلاقات اجتماعية تاريخية خاصة. أيضاً ثمة حاجة للتفكير بصوت عالٍ حول المجتمع المدني وعدم المساواة والفقر، نحن بحاجة لتحويل المناقشة الأحادية للتركيز على المجتمع المدني مقابل الدولة. نحتاج لنستكشف نقدياً وعن قرب أكثر الروابط بين المجتمع المدني والرأسمالية، وبين المجتمع المدني وتخفيض الفقر. هذا بدوره يتطلب إعادة النظر في دور الدولة بالتنمية. من الممكن أن يوفر المجتمع المدني منهاجاً جديداً للتفكير في دولة التنمية. هذا المفهوم يدفعنا للتساؤل كيف يمكن لجمهور مشارك وفعال ألا يدافع عن المواطنين بوجه الدولة وشارك في التفكير والجدال حول الصالح العام للمجتمع، وكيف يمكن للدولة الديمقراطية أن تلعب دوراً في هذه العملية.

على ضوء التحديات المتعددة التي تواجه المانحين في دعمهم للمجتمع المدني، ثمة تساؤلاتٍ أيضاً عن أي المانحين يمكن أن يفعل الأفضل؟ هل على كل المانحين أن يسعوا لدعم المجتمع المدني والعمل معه بنفس الدرجة والطريقة؟ لبعض المنظمات غير الحكومية من الشمال تاريخٌ طويلٌ وثابتٌ نسبياُ في التعامل مع جماعاتٍ محليةٍ تتبنى نفس القيم والأهداف. هكذا تعاون يسبق وصول برامج دعم المجتمع المدني المعلنة، وفي الحقيقة فإنّ هذه المنظمات غير الحكومية نفسها ليس لديها برامج معلنة. هل أفضل مكان لدعم وللعمل مع المجتمع المدني المحلى هوالجنوب؟ هل هومن المناسب أكثر للأطراف الثنائية واملتعددة أن تركز جهودها في تنشيط بيئة ممكنة لمنظمات المجتمع المدني؟ هل من الجوهري أن يكون الفضاء الثقافي والاجتماعي للمجتمع المدني محمياً ومزدهراً وبهذا يمكن للناس أن تناقشَ بانفتاح وبروح نقدية الصالح العام وأنت تجرب الوسائل البديلة لتنظيم الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية؟.

ترجمة: علي عبد الرزاق

حواشي

[1] Grass Roots; حركات سياية محلية تسعى لجعم الحزب المحلى الذي يقوم بدوره بدعم الحزب على مستوى الولايات المتحدة. أول من استخدم هذا التعبير هوالسناتور البرت بيفردج Albert Jeremiah Beveridge; عن ولاية إنديانا، الذي أعلن أن الحزب التقدمي “هذا الحزب أتى من جذور الأعشاب، لقد نشأ من روح الناس وحاجاتهم الأساسية”. تنشط هذه الحركة ضمن تجمعات صغيرة وتتنوع برامجها من الترويج للطاقة النظيفة إلى مناهضة الحروب. يوجد مستوى ضعيف من التعاون بين هذه الجماعات على المستوى الوطني. أساليب نشاط هذه المجموعات تتنوع بين اللقاءات الجماهيرية الكبيرة وتوزيع الملصقات وجمع التواقيع للعرائض والتحدث مع الناس في الشارع وتنظيم مظاهرات أودعم حملة مرشح ما. (المترجم).

[2] سياسات التكيف الهيكلي SAPS مصطلح يعبر عن الإصلاحات السياسية والاقتصادية المفروضة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على البلدان النامية. القيام بهذه الإصلاحات هوشرطٌ للحصول على قروض من هاتين المنظمتين أولتخيض الفائدة على القروض الممنوحة. وهذه الإصلاحات ترمي للتأكد من أنّ القروض ستصرف في الوجه الذي منحت من أجله. أهداف القروض هي إحداث تنمية في البلد المقترض ورفع الدخل القومي وتسديد ديون البلد. تفرض سياسات التكيف الهيكلي اقتصاد السوق المترافق مع تغييرات على المستوى الاقتصادي كالخصخصة وإلغاء الحواجز أما التجارة. هذه السياسات كانت عرضةً لنقد شديد حيث أنها وضعت البلاد التي تلجأ لها تحت رحمة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مما يعرض سيادتها للانتقاص. فيما لم تثبت برامج الخصخصة نجاحها في تسريع عملية النمووالحد من عدم المساواة الاجتماعية، راحت سياسات صندوق النقد الدولى والينك الدولي تتغير لتقترح سياسات خفض الفقر بدلاً من سياسات التكييف لهيكلي. لكن هذه لم تؤتِ ثماراً كثيرةً وما زالت تدخلات المنظمتين في عملية صنع القرار في البلاد المدينة كبيرة. (المترجم).

[3] Robert Putnam: عالم اجتماع ومدّرس في جامعة هارفرد، صاحب نظرية طرفي اللعبة التي ترى أنّ الاتفاقيات الدولية لن تنجح ما لم تولد منافع على الصعيد المحلي. نشر في عام 1995 مقالته التي أثارت ردود فعلٍ غير مسبوقة “لعبة البولنج، انحطاط رأس المال الاجتماعي في أمريكا” يرى في هذه المقالة أنّ الولايات المتحدة تمر منذ الستينيات في أزمة وانحطاط في الحياة السياسية والاجتماعية والمؤسساتية بما يجر ذلك من عواقب وخيمة. في عام 2000 نشر مقالته “السقوط وحيداً” وكانت رداً على الانتقادات التي وجهت لمقالته الأولى، ويرى أنّ العديد من منظمات المجتمع المدني قد شهدت تراجعاً كبيراً في أعداد منتسبيها فيما تزداد أعداد الذين يسقطون أويمرون في أزماتٍ بشكلٍ كارثي. ميّز بوتنام بين نوعين من رأس المال الاجتماعي، الأول هورأس المال الرابط وهوأن تتشارك مع من يشبهونك في الدين أوالعمر أوالعرق، ورأس المال المجسّر وهو أن تقيم علاقاتٍ مع الناس المختلفة عنك. يرى بوتنام أنّ انخفاض رأس المال الرابط سىؤدي إلى انحفاض رأس المال المجسّر بما يؤدي إلى ازدياد التوترات العرقية. يعد بوتنام من رواد التوكيفيلية الجديدة. وجهت إليه انتقادات كتجاهله العديد من المنظمات الاجتماعية التقليدية وإهماله ظهور شبكات العلاقات والأشكال المؤسساتية الجديدة عبر الانترنيت. (المترجم).

[4] Neo Tocquevillians مدرسة فكرية تنسب للمفكر والسياسي الفرنسي اليكس توكيفيلي(1805-1859) Alexis Toquueville، ولد لعائلة من أنصار الملكية فقدت عدداً من أبنائها أثناء الثورة الفرنسية. درس القانون وعين قاضياً في فرساي 1827. ابتعث في مهمة إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة نظام السجون فيها واستمرت مهمته سنتين حيث ألّف كتابه الأول “عن نظام السجون في الولايات المتحدة وتطبيقه في فرنسا” هنالك استطاع دراسة وتحليل النظام السياسي الأمريكي وعنه كتب كتابه “الديمقراطية في أمريكا”. عند عودته من أمريكا ترك القضاء وانخرط في العمل السياسي، عارض ثورة 1848 التي أتت بالإمبراطورية الثانية التي أنهت ملكية لويس فيليب دي أورليان وأتت بالإمبراطور لويس نابليون (نابليون الثالث). اعتزل العمل السياسي بعد هذه الثورة التي اعتبرها انقلاباً وانصرف للتأليف. عُرِف عنه تأييده لإجراءات الفصل العنصري أثناء الإحتلال الفرنسي للجزائر. كان يرى أن طريق أمريكا للحداثة هي الإيمان الديني والوطنية وتحرير طاقات الفرد وإعطائه الفرصة للعمل والإبداع. لاحظ أنّ صيغة الحكم الديمقراطية الأمريكية تتعاون مع الجمعيات والمنظمات الاجتماعية الهادفة لتحقيق عدد لا يحصى من الأهداف غير السياسية. بمقارنة ذلك مع فرنسا ما بعد الثورة التي وجد أنّ فيها مركزيةً للسلطة والقليل من الجمعيات والقليل من الديمقراطية. رأى أنّ العمل التطوعي يعلم الناس التعاون. لذلك كان ميّالاً لتحجيم دور الدولة. أفكار توكيفيل تشكل الأساس لليبرالية التوكيفلية الجديدة التي تركز أساساً على ما يولده القطاع الخاص من آثار إيجابية على الحياة السياسية الاجتماعية، هؤلاء يسعون لإيجاد بيئة لازدهار الرأسمال الاجتماعي، خصخصة النظام الاجتماعي ويؤمنون بسيطرة السوق العائلة والمؤسسات والشبكات الخاصة. (المترجم).

[5] Keynesian نظرية اقتصادية تقوم على أفكار الاقتصادي البريطاني. ترى أنّ الاقتصاد المختلط ذلك الذي تلعب فيه الدولة مع القطاع الخاص دوراً هاماً. يرى أنّ الدولة يمكن أن تلعب دوراً هاماً في زيادة الطلب وفي التوظيف، ويرى أنّ الدولة في فترات الأزمة مسؤولة عن إنقاذ الاقتصاد بزيادة الإنفاق مما يشجع الأفراد على الإنفاق فيزيد الطلب والاستثمار ويعود الاقتصاد لحاله.(المترجم).

[6] Thematisation: مصطلح يعني تجريد الشيء أوالشخص من الشروط والظروف المحيطة به وتحويله موضوعاً للبحث. أصبح طريقةً في تحليل ودراسة الظواهر الاجتماعية والاقتصادية. (المترجم)

[7] soup kitchens منظماتٌ خيرية أوورشات عمل تابعة لمنظمات خيرية تعنى بتقديم وجبات الطعام للمشردين.(المترجم).

[8] Macro Economic فرع من الاقتصاد يهتم بالظواهر والبنى وطريقة أداء الاقتصاد الوطني ككل، ويطمح لفهم  اتجاهاتِ وعواملَ اقتصادية محددة، مع التركيز خاصةً على الدخل القومي، الاستثمار، البطالة والتجارة الخارجية. بذلك يختلف عن ال Microeconomic الذي يهتم أساساً بسياسات تحديد الأسعار ودور السعر في حيازة المواد القليلة والنادرة.(المترجم).

[9] think-tank مؤسسات الأبحاث التي تعرض استشاراتٍ وأفكاراً حول قضايا سياسية وتجارية ومصالح عسكرية. (المترجم).

تغيير التوقعات:مفهوم وتطبيقات المجتمع المدني في التنمية العالمية

المجتمع المدني: عرض نقدي

جودي هاول . مركز دراسات التنمية الدولية / جيني بيرس . قسم دراسات السلام. جامعة برادفورد

١٩ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٧ ، بقلم علي عبد الرزاق

في لقاءه الأول مع التطور كان المجتمع المدني يستخدم بطريقة غير متطورة من قبل المفكرين والواقعيين والنشطاء. كان يعني غالباً المنظمات غير الحكومية، لقد استعمله المانحون والمنظمات غير الحكومية بشكل ذرائعى. على كلٍ فإن جهوداً ووقتاً قد استُثمِرا من أجل تحديد معناه منذ أوائل التسعينيات. أُثير نقاشٌ كبيرٌ حول هذا المفهوم لكن هذا النقاش لم يكن دائماً كافياً لتوضيح ما كان يُعتبر عاملاً أساسياً في عملية التنمية في الجنوب.

فرضية هذا البحث تقوم على أنه توجد مقاربتان للمجتمع المدني. أولاهما ما يمكن أن يُسمى المقاربة السائدة والأخرى هي المقاربة البديلة. كلٌ منهما تصدر عن مدرسةٍ فكريةٍ مختلفةٍ وتجد تعبيراً عنها في مؤسساتٍ وسياساتٍ تنمويةٍ خاصةٍ كالبنوك الدولية ومؤسسات التنمية الدولية والحكومات. يجب أن نلاحظ أن الفقر وعدم المساواة وبعض المؤسسات غير الحكومية تعتبر مشاكل للاقتصاد العالمي لكن هذه المشاكل يمكن أن تُحلَّ بالتوجيه الصحيح للسياسات. فكرة المجتمع المدني السائدة هذه تستند على تاريخٍ خاص بهذا المفهوم تجعله مناسباً لحل مشاكل جدول أعمال من هذا القبيل. ثمة نداءات متزايدة للشراكة في بناء نهج توافقي للنموبين المجتمع المدني والسوق والدولة. ذلك مرتبطٌ بالخطر على التضامن الاجتماعي من قبل السعي غير المقيد للأفراد وراء الربح في السوق. لقد بدأ استعمال تعابيرَ مثل الرأسمالية الاجتماعية المسؤولة.

حركات غراس روتس “جذور الأعشاب” [1] والمؤسسات غير الحكومية التي غيرت توجهاتها تبحث عن أصلٍ بديلٍ لهذا المفهوم الذي يطرح مفهوماً نقدياً للاقتصاد العالمي. تصحيح سياسات حل المشاكل ليس كافياً، يجب أن توجه الاقتصاد قاعدةٌ جديدةٌ من القيم والألويات ينتج النموخلالها. بدلاً من الشراكة يسعون لإظهار أنّ علاقاتِ القوة وعدم المساواة تجعل من التنمية غالباً صراعاً أكثر منها تقدماً رضائياً، يتساءلون إلى أي مدى سيكون الربح التجاري غير القيد متوافقاً مع المسؤولية الاجتماعية والاثنية للمجتمع الأوسع.

ليست المقاربة السائدة ولا حتى البديلة منسجمةً ولا متكاملةً، إنهما عبارةٌ عن نقاشاتٍ متعددةٍ وفروق دقيقةٍ متضمنةٌ داخل كلٍ منهما. مع ذلك نحن نستخدم هذه الأنماط التفكيرية لاستكشاف الفروق التي يبدو أنها تصنع السياسة والممارسة، مشددين على أنه من الجائر تقسيم المعاني التي تحملها. نحاول إبراز وجهة نظرنا بأن هذا المفهوم هوقاعدةٌ لكنه يجب أن يُعَالَج لا أن يُقبَلَ دونما نقد. هذه الورقة تحاول نقدياً أن تبرز بعض الإفتراضات التي وضعها المانحون حول العلاقة بين المجتمع المدني و”الدمقرطة” والسوق، يفترض أنه ثمة صورةٌ سائدةٌ وأخرى بديلةٌ للمجتمع المدني، متأثرةٌ بطبيعة تدخل المانح ونتائجها المحتملة. الورقة تتأمل مفاتيح النقاشات الناشئة عن محاولات المانح المستمرة تقوية المجتمع المدني، معطيةً انتباهاً خاصاً لسياسات التعددية والاختيار، وأيضاً لسياسات المفاهيمية والتنظيمية الجامعة، إضافةً لسياسات الحكم الذاتي والتبعية. على ضوء هذه التحليلات تقترح كيف يمكن المضي قدماً بفكرة المجتمع المدني.

الديمقراطية والمجتمع المدني

المانح ينطلق من افتراضيين ضمنيين، المساهمات الديمقراطية في التنمية والمجتمع المدني هوامتحانٌ ديمقراطيٌ للدولة. الجدال الذي ظهر في الثمانينينات في البحوث الأكاديمية والنقاشات السياسية حول العلاقة بين التنمية والديموقراطية كان غير حاسمٍ في إنشاء ربطٍ واضح المعالم ذلك على رغم بعض المحاولات المتيزة نوعاً وكماً.

الكثير من هذا الجدل تمحور حول دور الدولة في التنمية أكثر منه حول الديمقراطية بحد ذاتها، كان ذلك رداً على الانتقادات للدولة النامية التي ستكون دعامة الليبرالية الجديدة (النيوليبرالية). السياسة الاجتماعية كانت تبحث عن أدواتٍ لتطبيق التنمية دونما الإعتماد على الدولة والتي تعزّز السحاة غير الخاضعة للدولة. لقد كانت تسعى لتفسير فشل سياسات التكيف الهيكلي [2] في تحقيق النتائج الاقتصادية المطلوبة. بدلاً من الاعتراض على عقيدة برامج التكيف الهيكلي عزا بعض المانحين سبب الفشل إلى دول الجنوب التسلطية والفاسدة وغير الكفؤة. هذا قاد المانحين أوائل التسعينيات لتطبيق سياساتٍ في الإقراض والدعم التقني المشروطين، هادفةً إلى تطوير الحكم الديمقراطي في أنظمة الجنوب. فكرة أنّ المزيد من الديمقراطية والمحاسبة في الدولة من الممكن أن تقود إلى تنمية ونمواقتصادي يسمحان للسوق أن يعمل بحريةٍ مسايراً قوانين العصر.

على كلٍ، برامج إصلاح الدولة تواجه العديد من المشاكل بما فيها نقص الرغبة الداخلية في الإصلاح. كيفية التغلب على هذه المشكلة قادت المانحين إلى المجتمع الذي صُوّر أواخر الثمانينيات على أنه المكان الجيد في مواجهة الدولة السيئة. اشتمل المجتمع على قوىً كامنةٍ بشكل منظمات وجماعاتٍ غير حكومية، تلك التي نظمت حملاتٍ من أجل احترام حقوق الإنسان وضد الفساد وسعت لضمان محاسبة الحكومات أما المجتمع. في أعقاب سقوط جدار برلين في 1989، بدأت مؤسساتٌ ومراكز من الولايات المتحدة برامج جديةً “لبناء الديمقراطية” في شرق أوروبا، عملت هذه البرامج على تمتين الروابط بين حرية السوق والمجتمع المدني والديمقراطية. مساعدة المجتمع المدني يمكن أن تشجع ضغطاً خارجياً على الدولة من أجل الإصلاح. أكثر من ذلك، رغم انخفاض مجموع المساعدات الأجنبية من الولايات المتحدة في النصف الأول من التسعينيات ” الإنفاق على الفعاليات المدنية بدا أنه قد تكفل بتحقيق وعد التكلفة القليلة لبلوغ أهداف بعيدة الطموح، برامج المجتمع المدني كانت تنموكلما انخفضت المساعدات”. معارضةً لهذه الأرضية، تبنت المؤسسات المانحة بحماسةٍ محاولاتِ روبرت بوتنام [3] لتأكيد الدلائل على طبيعة العلاقة بين الديمقراطية والمجتمع المدني وعملية النتقال المفترضة إلى التنمية. قبل نشر كتابه في 1993 ومقالاته اللاحقة، كانت الافتراضات قد وُضِعت سابقاً حول هذه العلاقة لكنت على الغالب كانت أقل صرامةً من أن تضع المجتمع المدني مقابل الدولة. بونتام ومنظروالمؤسسات والتيكيفيليون الجدد [4] كانوا قادرين على الإتيان بالمزيد من الحجج الرائعة عن كيفية مساهمة الجمعيات النشطة والفعاليات المدنية في السياسة الديمقراطية وكيف سيسهل ذلك التقدم والإزدهار الاقتصاديين.

ليست كل المؤسسات والمراكز المانحة والأشخاص صانعي القرار متأثرين كلياً بوجهات نظر بوتنام. المانحون الأوروبيون على العكس من ذلك، هم جزءٌ من ثقافةٍ وتاريخٍ مختلفين، ولهم تصورٌ مختلفٌ لدور الدولة والهيئات الاحتماعية. من المحتمل أكثر أنهم يلاحظون الدور السياسي والتاريخي للوحدات التجارية والكنائس والهيئات الأخرى في الصراع من أجل العملية الديمقراطية وإصلاح الدولة في أنحاء مختلفة من العالم. اليوم يرى المانحون الأوروبيون الإمكانية ذاتها في المنظمات غير الحكومية وحركات غراس روتس في الجنوب، ويعترفون بمدى قوة التباينات وعدم المساواة وأهمية العمل السياسي في إصلاح الدولة.

على كلٍ، تأثير حجج بوتنام كبير، وحدد بشكلٍ فعال تفكيرلا المانحين الأمريكيين حول العلاقة بين المجتمع المدني والديمقراطية. المسألة هي جعل الديمقراطية تعمل بدلاً من صنع الديمقراطية، أونتائج السياسة بدلاً من العملية السياسية. هذه المقاربة مدينةٌ للنظرة الأمريكية أكثر منها لتاريخها ذاته. هذه الفكرة التي أرساها اليكس توكيفيلي في كتاباته حول الديمقراطية في أمريكا أوائل القرن التاسع عشر اعتُمِدت من قبل الباحثين الأمريكيين المعاصرين في تنظيرهم للعلاقة بين المجتمع المدني والديمقراطية. تأثير هذه التصورات على فكر المانحين لخصه توماس كاروثرس بطريقةٍ مثيرةٍ للإعجاب في دراسته لبرامج المانحين الأمريكيين لتعزيز الديمقراطية. يقول :” ملتزمين بتبديل طبيعة المجتمع المدني الخيرية نظراً لدوره في الحياة السياسية، على سبيل المثال القرارت السياسية لدار البلدية الصادقة في التعبير عن مصالح جماعات الناشطين الذين يستخدمون القوانين لحل النزاعات سلمياً دون كسر أي نافذةٍ، هذه الرومانسية تجدفي النظر للمجتمع المدني تجد جذورها بالأحرى في أسطرة مفهوم توكيفيليان لمجتمعهم ذاته. لكن ذلك يستتبع سوء فهمٍ فادحٍ لتركيبة وقوانين المجتمع المدني في بلاد أخرى حول العالم”. أعمال بوتنام تمثل وعياً نيوتوكيفيلياً ناهضاً مع مؤثراتٍ ثانويةٍ للمؤسساتيى الجديدة. هذه النصوص تجعل المؤسسات على حدٍ سواء عرضةً لمتغيراتٍ كونها مشكلةٌ عبر التاريخ، وهي من جهةٍ أخرى بمنأى عن المتغيرات التي التي تؤثر على النتائج السياسية. هذا هوجوهرياً ” شروط بناء مؤسسات تمثيلية قوية وفاعلة”.

تعاظم تأثير أعمال بوتنام في التسعينيات بسبب الربط الذي أقامه بين نتائج دراسته في ايطاليا والميل إلى المجتمع الرأسمالي في الولايات المتحدة كان وقع أعماله كبيراً على المجتمع السياسي، على كلٍ فقد كانت أعماله عرضةً للنقد بسبب إغفاله لدور الأحزاب السياسية في ازدهار المجتمعات، لتأكيده على النتائج بدل العملبة، وفشله في التمييز بين القواعد الديمقراطية وغير الديمقراطية، وإغفاله القيم والتصنيفات التي تتم في مختلف القواعد والشبكات.

المقاربة الأمريكية للمجتمع المدني والديمقراطية ترى مهمة المجتمع المدني أساساً كنظام استقرار، أوبناء أوتقوية المؤسسات الديمقراطية التي تحمي قواعد القانون وشرعية المعارضة السلمية وحقها في التعبير بوسائل مقبولة. لكن لاعتباراتٍ كثيرةٍ فهي نفسها وجهة نظرٍ محافظةٌ جداً، حيث أن الاستقرار السياسي مهمٌ كالحرية السياسية والحماية من الدولة أهم من المفاهيم الإيجابية والعمل والنقاش حول ما هوالأفضل لتطوير المصالح العامة للمجتمع. التعددية تخدم في التحقق من تجاوزات الحكومة، إنها تحافظ على الحرية السلبية وتدافع عن الفرد تجاه الجماعة، وتجمع وتربط مطالب ومصالح مؤكدةً أنه من الممكن الدفاع والتفاوض عليها، إنها تحافظ على الثقافة المدنية.

على كلٍ ثمة مقارباتٍ متباينة للديمقراطية وعلاقتها بالمجتمع المدني، أحدها هوالمضمون الراديكالي للتقليد الأوروبي. هذا التقليد يجد تأثيراً خاصاً ومستمراً في العديد من منظمات غراس روتس ومؤسسات التنمية غير الحكومية. ثلاثة مواضيع تميزه عن المفهوم الأمريكي للديمقراطية والمجتمع المدني. هنالك البحث عن “الخير الجماعي”، السعي وراء اعتاق الإنسان، وتحديد شروط نقاش نقدي، عقلاني، جماعي، شامل. ثلاثتهم سويةً يتحدون الإفتراض القائل أن مجتمعاً مدنياً حيوياً وديمقراطيةً قويةً وتقدماً وتنميةً اقتصاديين متحدون نظرياً وعملياً في طريقٍ ثابت. بالنسبة للعديد من منظمات غراس روتس والمنظمات غير الحكومية فالمجتمع المدني هوميدانٌ لنقاش وتحدي الأفكار السائدة عن التقدم والتطور عبر المشاركة الفعالة في مجالات سياسية وغير مؤسساتية وغير رسمية. لذلك فالعديد لا يتكلفون أي جهدٍ لتقوية المؤسسات الديمقراطية الموجودة أوللدفاع عن المجتمع المدني ضد الدولة، ولكن من أجل خلق أشكالَ جديدةٍ للمشاركة حيث يكون لهم صوتٌ أثناء تقرير أي أشكال التقدم والتنمية يجب الأخذ به، آخذين هذا كله في الحسبان، فإنّ الضمنيَّ في هذه النظرة البديلة – كما نعتق- يطرح الحاجة للتجديد في النقاش حول الطريقة التي تتفاعل بها الدولة والمجتمع وحول دور الدولة، من هوالذي يحدد هذا الدور وكيف؟.

في هذا التقليد الأوروبي للمقاربة الراديكالية، يعالج المنظرون الطريقة التي تصطدم فيها عدم المساواة الاجتماعية والسياسية مع الممارسة الكاملة للمواطنة. تتمكن التعددية غالباً من المحافظة على مصالح معينةٍ على حساب المصلحة العامة أوالمشتركة، إنها تخفي مصدر القوة الحقيقي وتخلق أوهاماً حول المشاركة السياسية ودور الدولة. قلل مفكرون ماركسيون من أهمية المجتمع المدني باعتباره ساحةً أخرى تسيطر عليها المصالح الاقتصادية القوية. على كلٍ، في أواخر القرن العشرين تجاوز اليسار سلبيته تجاه فكرة المجتمع المدني واعترف بإمكانية كون نشاط الجماعات المستقلة مساهمةً في التغيير السياسي والاجتماعي. يمكن أن يكون المجتمع المدني مصدراً لإعادة خلق فضاءٍ سياسيٍ حيث تضع وسائل الإتصال غير الذرائعية المصلحة العامة على جدول الأعمال، بدون قمع التعددية والإختلافات. من الممكن أن يكون مصدراً جديداً للتفكير البنّاء حول الدولة والتنمية وكذلك مصدراً لنقد التنمية الرأسمالية.

بترجمة هذه الإمكانية على أرض الواقع حيث يستمر الإستغلال والفقر تحديين خطيرين، يجعلنا هذا النمط الليبرالي نفكر بأهمية الفضاءات السياسية العامة المستقلة. قد يساعد المانحون ضمن هذا النمط في الدفاع عن هكذا فضاءاتٍ وتعزيز شروط حياةٍ عامةٍ متماسكة، كالمؤسسات التربوية، حكم القانون، والفرص الاقتصادية. التقليد القاري الأوروبي يقود إلى التساؤل، كيف يمكن لهؤلاء المهمشين والمقصين من عملية التطور ان يشاركوا بأنفسهم في هذه الفضاءات؟ وكيف يمكن أن يحصل ذلك ومتى؟.

المجتمع المدني والدولة والسوق

منذ أواخر الثمانينيات استحوذت الإمكانية الديمقراطية للمجتمع المدني على تصورات المانحين، على لعكس من الاهتمام الأقل الذي أُعير للعلاقة بين المجتمع المدني والسوق. خطاب المانحين اتجه إلى إضاءة التوترات القائمة بين المجتمع المدني والدولة من جهة وبين السوق والدولة من جهةٍ أخرى، بينما فُهِمَت العلاقة بين السوق والمجتمع المدني ضمنياً على أنها جيدة ومنسجمة ومتكاملة.

في هذا النقد لنظرية المجتمع المدني المعاصر، يبدي فاين استياءه لنقص الترابط النقدي للمفهوم الذي ميز عصر التنوير وما بعده، مع التحذيرات من سيادة المجتمع المدني على السوق والدولة. النموذج المضاد للدولة يقود بدوره إلى ميلٍ في أوساط المانحين ليأخذوا على عاتقهم العلاقة بين المجتمع المدني والسوق بدلاً عن التشكك فيها، ليفشلوا في الإستكشاف النقدي للتوترات والتناقضات الضمنية لهذه العلاقة. فارتي يقدم هذا على أنه مفارقةٌ تاريخيةُ: “الكثير من التطور التاريخي لمفهوم المجتمع المدني أخذ مكانه ضمن مجال الاقتصاد السياسي ومع ذلك فقد تم استبعاد الاقتصاد السياسي من مطروحات المجتمع المددني المعاصرة”. في هذا المجال نكتشف أولاً أن العلاقة بين السوق والمجتمع المدني ما زالت إلى حد كبير غير قابلةٍ للجدل أوالنقاش في الخطاب السائد للمانحين، ثانياً التركيز أكثر على بعض الطروحات حول المسؤولية الاجتماعية التي تفرضها الرأسمالية على العلاقة بين المجتمع المدني والسوق والتي تسيطر على أفكار المانحين.

بدايةًَ بالعلاقة بين المجتمع والسوق، نفترض أن مجموعتين واسعتين من الأفكار حول هذه العلاقة قد بدأت بالتبلور في التسعينيات. ذلك يعبر بطرق عديدة عن الإستياء من عواقب الرأسمالية الجامحة التي يؤيدها الليبراليون الجدد وخيبة الأمل من قيادة الدولة لعمليات التنمية. سواءً بالنسبة للكينسيانيون [5] أوتنويعات الدولة الإشتراكية. ذلك جزءٌ من التحول النموذجي حيال الدولة والمجتمع المدني والسوق، النموذج الثلاثي الجديد للتنمية. فيما تؤيد مجموعةٌ واحدةٌ من الأفكار الطابعَ التوافقي للوحدة الثلاثية وتفترض علاقةً إيجابيةً بين المجتمع المدني والسوق، تسلط المجموعة الأخرى الضوء على الطابع الخلافي العميق لهذا الثالوث، وتناقش فرضية التبادلية للمجتمع المدني والسوق. نميز المقاربة الأولى على أنها الرأسمالية الاجتماعية المسؤولة، فيما الثانية هي البديلة للرأسمالية. هذا برز من  اتجاهين تأصيليين في أفكار المجتمع المدني وهما وجهة النظر السائدة والبديلة. المصطلحان الرأسمالية الاجتماعية المسؤولة والبديل الرأسمالي يخدمان كاختزال مفاهيمي لنسقٍ من الأفكار الشبيهة والسياسات والتطبيقات المرتبطة بالعمليات الاجتماعية للإنتاج الاقتصادي. نظرية الرأسمالية الاجتماعية المسؤولة أثرت بقوة في أفكار المانحين السائدة منذ التسعينيات، وتتجه لتكونَ تياراً فكرياً ستئداً في بحوث وتطبيقات التنمية. أفكار البديل عن الرأسمالية تنتشر أكثر بين نشطاء غراس روتس، الحركات الاجتماعية وبعض المنظمات غير الحكومية في الجنوب والشمال متحديةً البنى السائدة للتنمية.

اهتمامنا الثاني في هذا القسم يتركز حول بعض افتراضات الرأسمالية الاجتماعية المسؤواة التي تطرحها حول علاقة المجتمع المدني والسوقوالتي تستحوذ على ال اتجاه السائد لأفكار المانحين. تفترض الرأسمالية الاجتماعية المسؤولة ان المجتمع المدني واقتصادات السوق مرتبطةٌ يقيناً غير أنهما يعملان منفصلين كفضاءاتٍ مستقلة. خكذا يظهر المجتمع المدني كأسلوب لحل كل تناقضات وتوترات الرأسمالية، وبشكلٍ خاص آثارها الإقصائية غير المساواتية والتنافرية. هذه الآثار شغلت قبلاً المفكرين منذ عصر التنوير عندما كان المجتمع المدني قد انفصل لتوه مفاهيمياً عن الدولة. التجربة المعاصرة لدولانية-الرفاه الاجتماعي والإشتراكية القائمة والعولمة قد أعادوا إحياء كل هذه القضايا.

على أي حال، سندقق هذه الافتراضات في أربع نقاط. الأولى، إنّ التنمية الرأسمالية ليست حتميةً، ومن الطبيعي أن تعطي دفعةً لمجتمعٍ مدني مستقلٍ ومزدهر. يفترض ذلك لأن المجتمع المدني في صيغته الحديثة كنقيضٍ للصيغة الكلاسيكية انبثق من الرأسمالية وجنباً إلى جنبٍ معها. المجتمع المدني هوكلا الأمرين، ناتجٌ طبيعي وجزءٌ عضوي من الرأسمالية. تاريخياً كان المجتمع المدني تعبيراً عن انحلال روابط التضامن الإحتماعي التقليدية وظهوراً لأشكال جديدة من الإندماج في سياق التحديث الرأسمالي. نأخذ هذه المسألة مع افتراض الغائية والسببية، نفترض أن ظهور مجتمع مدني معارضٍ في دولةٍ اشتراكية ينعكس سياسياً أكثر منه اقتصادياً. في الخمسينيات والستينيات تحدى المجتمع المدني الموجه في أوروبا الشرقية بشكلٍ مشتت تسلط النظام الستاليني وسيطرة الإتحاد السوفييتي. لما بدأت اقتصادات أوروبا الشرقية أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات في الركود بدأ المثقفون والعمال وغيرهم النقاش حول البدائل والتنظيم، غالباً تحت حماية الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية أوعبر وسائل أخرى. المطالب بالديمقراطية أثناء الثمانينيات عكست أمرين: تزايد قوة مجتمعٍ مدنيٍ مزدهر ويأس منتظومة المصلحين من إمكانية إصلاح النظام من الداخل. بدايةً كانت هذه حركات مطالبةٍ بأشكال جديدة للإدارة الذاتية للاقتصاد الإشتراكي وليس ب اتجاه اقتصاد السوق. مطالب المجتمع المدني تزامنت على أي حال مع الضغط المتزايد للتحويل من تخطيط الدولة إلى بدائل السوق. مثبتةً أن الحرية الاقتصادية والحرية السياسية متلازمتان. هكذا ظهر المجتمع المدني في أوروبا من خلال منطق سياسي لا من خلال منطق السوق.

إضافةً لذلك، نجاخ الاقتصاد الرأسمالي في مجتمع تسلطي أونظام عسكري يشكك في العلاقة الحيوية الإيجابية بين الرأسمالية والمجتمع لمدني. حالة النمور الأربعة الصغار، سنغافورة وتايوان والهونغ كونغ وجنوب كوريا تعطي مثالاً عن هذه الظاهرة الشاذة. النظرية الأضعف هي أن المجتمع المدني هوسمةٌ اجتماعية للنموالاقتصادي لا تصمد أيضاً، الصين عاشت معدلات مذهلةً لنموالناتج المحلي الإجمالي أثناء مرحلة الإصلاح بمعدل نمووسطي مقداره 8% سنوياً وقامت بخطواتٍ فعالةٍ لرفع معلات النمووتخفيض مستوى الفقر في الريف. مقارنةً بالهند وبنغلاديش فإنّ وجود منظماتٍ غير حكوميةٍ يعتبر محدوداً. وفي حين يوجد في بنغلاديش مجتمعٌ مدنيٌ حيويٌ مع الكثير من لمنظمات غير الحكومية المحلية والدولية فإنها تظل من أفقر البلدان في العالم. وبالمثل ورغم ما يقال أنها الديمقراطية الأكبر في العالم وبيتاً للعديد من الجمعيات الخيرية المحلية والمنظمات غير الحكومية وجماعات الرأي، فإن الهند لديها مستواً عالٍ من الفقر والأمية يعبتر أعلى منه في الصين. لذلك فإننا نجد اقتصادات سوقٍ قائمةً جنباً إلى جنبٍ مع نظامٍ ديمقراطيٍ حر وحياةً اجتماعيةً مزدهرةً، ونظماً تسلطيةً مع مجتمعاتٍ مدنيةٍ مقيدةٍ بشدة، اقتصادات سوقٍ فقيرةٍ مع منظمات مجتمع ممدني حيويةٍ ومتعددةٍ متعارضةً مع اقتصادات سوقٍ منطورةٍ وحيويةٍ ومجتمعٍ مدنيٍ مقيد. كل هذا يضعف الإفتراض بأن اقتصاد السوق من الضرورة أن يلد ويوسّع المجتمع المدني، لأنّ المجتمع المدني المزدهر جزءٌ عضويٌ من الاقتصاد الرأسمالي والمجتمع المدني يخدم كموازنٍ سياسي للدولة. بكلماتٍ أخرى، فإنّ اقتصاد السوق من الممكن أن يوفرَّ تربةً خصبةً للمجتمع المدني، غير أنً هذا لا يحدث دائماً.

ثانياُ، نحن نعتقد أن الحدود المفروضة بين المجتمع المدني والسوق غيرُ واضحة المعالم بما يقوض استقلالية المجتمع المدني المُرَوَّجِ لها. فيما حظت استقلالية المجتمع المدني عن الدولة باهتمام واسعٍ من الدراسات، فإنّ استقلاليته عن السوق مفاهيمياً وتجريبياً كانت مفترضةً أكثر من كونها مبرهناً عليها. رغم النقاش فيما إذا كان من الأفضل إدخال السوق ضمن المجتمع المدني أوإخراجها منه، وبشكلٍ خاصٍ فيما إذا كانت الشركات تشكل أولا جزءً من من المجتمع المدني، فإنّ المحور المركب من المجتمع المدني والسوق في النموذج الثلاثي يظلّ متفقاً عليه.

على كلٍ فإنّ ثلاثي المجتمع المدني والسوق والدولة لم يكُ دائماً مسيطراً على الفكر السياسي. مفكروعصر التنوير وما بعده في منتصف القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بدؤوا بالنموذج الثنائي للدولة والمجتمع المدني/ الاقتصادي. في القرن العشرين فقط بدأ مفهوما المجتمع المدني والاقتصادي بالتميز عن بعض كفضائين مستقلين. في النموذج النيوليبرالي تم الفصل بين المجتمع المدني والاقتصاد إلى حد غياب المكونات المادية للمجتمع المدني والآثار السلبية للسوق على المجتمع المدني قد غابت عن العين. على العكس من ذلك فإنّ النظرية الراديكالية البديلة تسلط الضوء على الآثار السلبية والمدمرة المحتملة للاقتصاد على المجتمع المدني وتطلب تفهماً لحيوية علاقات القوة في المجتمعات الرأسمالية.

كمانحين وباحثين عملوا على تحديد ما هوالمجتمع المدني وتوضيح مرجعيته التجريبية، قاموا بتمييز مفاهيمي هام بين المجتمع المدني والسوق، لقد عززوا المفهوم الثلاثي وبذلك فإنهم قد خلقوا قطيعةً تامةً مع المفهوم الإختزالي لعلاقات المجتمع المدني/ الاقتصادي. مفتاح تمنييز المفهوم كان هنا عدم الربحية. عبر هذا المعيار أصبح بالإمكان وضع المنظمات إما ضمن نطاق السوق وإما ضمن نطاق المجتمع المدني، وهكذا تمّ فصل المجتمع المدني عن الاقتصاد نهائياً وإلى الأبد.

ثمة تناقضٌ هنا، وإن كان يبدو أنّ المجتمع المدني سيصل إلى مداه الأخير كفضاء مفاهيمي منفصل عن السوق، فإنّ تمييزه بمعيار غير الربحية يهبط به إلى قاعدة النشاطات الاقتصادية، وهكذا فإنّ القطاع الربحي سوقٌ والقطاع غير الربحي لمنظمات المجتمع المدني ليسا سوى وجهين لعملةٍ واحدة هي الاقتصاد. إنّ القطاع غير الربحي يعمل كفضاء لنشاطاتٍ اقتصادية تولد نتائج بأشكال مثل المدارس، الجامعات، المشافي، العيادات، مطابخ الحجساء. هذا بدوره يؤمن دخلاً ووظائف ويضيف إلى الناتج القومي الإجمالي. أشمل دراسةٍ للآن عن القطاع غير الربحي هي لجون هوبكنز ” مشروع القطاع غير الربحي المقارن”. والتي أنشأت قاعدة بيانات عالمية عن القطاع غير الربحي في اثنين وعشرين بلداً. مفتاح البحث في عمل سالامون وانهايير كان أن القطاع غير الربحي يمثل قوةً اقتصاديةً كبيرةً في البلاد تحت البحث. على سبيل المثال هذا القطاع في الإثنين وعشرين بلداً تحت البحث يوظف تسعة عشر مليون عاملٍ بدوامٍ كامل، بما يعادل قرابة السبعين بالمائة من الوظائف المدفوعة في غرب أوروبا و2,2 بالمائة في أمريكا اللاتينية. مساهمة القطاع غير الربحي في الحياةوالاقتصادية كما عرضها تجريبياً سالامون وأنهايير تؤكد على الإنفصال المفاهيمي للسوق الاقتصادية المنظمة حول السعي الأقصى للربح، عن المجتمع المدني المبني على النشاطات الاقتصادية غير الربحية.

ثمة بعد آخر لمشكلة الإنفصال الواضح للمجتمع المدني عن السوق تستحق التأمل فيها. ففيما يؤمن السوق قاعدته المالية عبر التراكم الرأسمالي، والدولة تولد دخلها من الضرائب وأحياناً من ممتلكاتها فالمجتمع المدني ليس له مصدر ثروة واضح. إن عُرّف على أنه غير حكومي يجب أن يكون مستقلاً مادياً عن الدولة وإن قيل بأنه غير ربحي فيجب ألا يراكم رأسمال. كل ذلك يتوقف نظرياً على مصدر التمويل المادي في المجتمع المدني كرسوم العضوية والهبات ورسوم الخدمات. يكشف سالامون وأنهايير مجدداً وبوضوح الإعتماد المادي للمجتمع المدني ليس فقط على رسوم الخدمات وإنما على الدولة وبدرجةٍ أقل على الأعمال الخيرية. لذلك وبما أن القطاع غير الربحي هوفضاءٌ لنشاط اقتصادي يولد دخله وناتجة من جهة وهومن جهةٍ أخرى قاعدةٌ مادية مرتبطة بالدولة والسوق، فإنه تجريبياً يشوش مفهوم وضوح الحدود في النموذج الثلاثي للمجتمع المدني والسوق والدولة، المجتمع المدني مستقلٌ لكن حقيقةً في المجتمعات المدنية القائمة أوالتجريبية إنّ العلاقات بين هذه الأطراف مشوشة.

معيارياً المجتمع المدني هوشيءٌ وتجريبياً هوشيءٌ آخر. المجتمع المدني مستقلٌ كونه يحمل منطقه الخاص، لكنه أيضاً مشتقٌ وتابع. هذه النقطة تظهر خاصةً في سياق الدول المعتمدة على المعونة حيث يوفر تمويل المانحين دخلاً للناشطين في منظمات المجتمع المدني، قضيةٌ سنكتشفها بتفصيلٍ أكبر في القسم القادم.

ثالثاً. نبرهن على أنّ تعريف المجتمع المدني كقطاع غير ربحي يضعف وظيفته السياسية كعينٍ ناقدة على الدولة والسوق كليهما واللذين هما مختلفين وظيفياً ومادياً واجتماعياً. إدغام الرؤية المعيارية مع الواقعية التجريبية في الرأسمالية الاجتماعية المسؤولة يؤدي في النهاية إلى طمس وعدم تسييس العلاقة المعقدة بين المجتمع المدني والسوق. الإنشغال بفكرة الاستقلالية ومشروع السمة المعيارية يقود واقعياً إلى محاولات قوية لتحديد مقياس الاستقلالية بدقة وهكذا يمكن أن تستخدم كمؤشر لطبيعة ونضج المجتمع المدني. بالنسبة لاقتصاديين متشككين في مؤسسات التمويل الدولية مثل البنك الدولي، عملية القياس تؤكد طبيعة المجتمع المدني وتعطيها جوهراً شرعياً ويتركها سهلة التنظيم. هذا له أثر على كل حال، إبعاد الإنتباه عن السؤال الأكثر جوهريةً، أعني لمَ كانت الاستقلالية مهمةً إلى هذا الحد؟.

الفصل المفاهيمي للمجتمع المدني عن الدولة كان مهماً ليس لأنه يعبر عن واقعٍ تجريبيٍ بدقة، ولكن لأنه يجعل من الممكن حماية هذا الفضاء بوجه قمع الدولة. أثناء القرن التاسع عشر في أوروبا سيطرت البرجوازية على هذا الفضاء وسعت من أجل مصالحها الخاصة إلى حماية استقلالية المجتمع المدني بوجه الدولة الاستبدادية. أواخر القرن العشرين، رأسمالية المجتمع التجريبي ضمت منظمات خدمية ومنظمات مكرسة للنضال الفكري وحماية الحقوق المدنية والسياسية متحديةً اللامساواة العالمية. تشغل فضاء المجتمع المدني مجموعات مختلفة ذات أهداف مختلفة. يستخدم الرأسمال العالمي والمحلي المجتمع المدني ليحمي مصالحه ليس فقط بوجه الدولة لكن أيضاً بوجه الحركات العمالية وأنصار البيئة ومناهضي الرأسمالية. تسعى منظمات الرعاية الاجتماعية غير الحكومية، والجمعيات الخيرية، وجماعات المساعدة الذاتية لحماية المجتمع المدني كفضاء يؤمن الخدمات ويلبي حاجات الفقراء والضعفاء والمهمشين وتطوير الاستجابات للمشاكل الاجتماعية. أيضاً تريد جماعات الدفاع والإتحادات التجارية والجمعبات النسائية وجمعيات حقوق الحيوان وأنصار البيئة وعلماء الاجتماع بالمثل من المجتمع المدني أن يواجه قوة الرأسمال العالمي، وأن يقدمَ تصوراً لطرق بديلة لتنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية. المجتمع المدني هوفي الوقت ذاته مجالٌ لتحدي رؤى عالمية لكنه أيضاً موضوع التحدي. تأكيد الرأسمالية الاجتماعية المسؤولة على دور منظمات تقديم الخدمات في المجتمع المدني يوهن من رقابته الأخلاقية على السوق، وهكذا فإنّ الرأسمالية الإحتماعية المسؤولة تدافع عن فضاء المجتمع المدني كطريقة لتعزيز رقابة الدولة. إنها تدفع لتملق دور المجتمع المدني كرقيب على السوق. على العكس فإنّ المقاربة البديلة عن الرأسمالية تشدد أقل على البعد غير الربحي للمجتمع المدني وأكثر على فكرة أنّ المجتمع المدني كفضاء سياسي ينعكس نقدياً فيه كيف ينظم المجتمع الإنتاج الاقتصادي وإعادة الإنتاج وكيف يقوم باختبار هذه الأفكار، إنها تعزز المجتمع المدني كفضاء مُقيِّد للدولة والسوق كليهما. المجتمع المدني يفيد سياسياً كقاعدة ضغط على الدولة لتأمين حاجات العموم الأساسية بشكل لائق وتدبير مساحة للناس لينظموا جماعات الخدمة الذاتية. أيضاً يفيد المجتمع المدني كقاعدة لمقاومة رأس المال العالمي وتحميل الشركات عابرة القوميات مسؤولياتها تجاه العواقب البيئية والاجتماعية لعملياتها الاقتصادية وللضغط من أجل النظام الديمقراطى.

زيادة الاهتمام بنموالفضاء الاجتماعي غير الربحي، وتأمين الرعاية الاجتماعية وحماسة السياسيين وصنّاع القرار السياسي والجهات الممولة للبحوث يؤطد أنّ ذلك ليس مصادفةً, ويعطي شرعيةً لتحول مهم في التفكير حول صلة قوانين الدولة والمجتمع المدني والسوق في تحديد اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية والأخطار التي تولدها الرأسمالية. ضمن هذا السياق يبدو ذي معنىً تفضيل سالامون وإنهايير وصف قطاع النشاطات الاقتصادية هذا بالقطاع غير الربحي أوالقطاع الثالث على اسم المجتمع المدني، هذا التعبير يفيد في عدم تسييس النقاش حول صلة قوانين السوق والدولة والمجتمع المدني بمعالجة اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية وقضايا الصالح العام. أكثر من ذلك، من المزعج أن المانحين يستخدمون غالباً هذه التعابير بشكلٍ متبادل كتيار يسعى لتعزيز عدم تسييس أي نقاشٍ حول النموذج الرضائي للسوق والدولة والمجتمع المدني.

رابعاً: نعتقد أن اقتصاديات السوق تستطيع ان تقوض أركان المجتمع المدني المترابطة والمتكاملة خالقةً ومعززةً عمليات إقصاء إجماعي. بتقصي الاستقلال المفاهيمي للمجتمع المدني عن الاقتصاد بإمكاننا أن نلاحظ تياراتٍ تحتيةً من التوتر والتناقض حول الأثر المفتت للسوق على المجتمع المدني والآثار المصاحبة لدمج المجتمع المدني على السوق. فكرة أنّ المجتمع المدني يكمل، وفي الحقيقة، يسهل التنمية الرأسمالية هوفرضية قائمةٌ على فهم ليبرالي للعامل الاقتصادي على أنه وحدات مستقلة وأفراد عقلانيون يسعون لأقصى المنافع. هذه الفردية الاقتصادية تجد صداها في المجال السياسي لدى المنظرين الليبراليين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الذين تصوروا الديمقراطية كقضية نخبوية مقيَّدَة بحرية التصرف والتملك للمواطنين. هذا المفهوم للمجتمع المدني كمجال اجتماعي للملكية الفردية يعزز الفردية الاقتصادية كدعامة التنمية الرأسمالية، وبهذا المعنى يمكن القول أنه يسهل العملية الرأسمالية.

على كلٍ، بهذا الهجوم الحاد على الدولة، لا ينتهي النقاش حول المجتمع المدني بتأبينه فقط وإنما بإفراغ المضمون الجوهري له. الآن إذا نظرنا خلفنا إلى كتّاب عصر التنوير وما بعده، تلك الكتابات التي أعطت المفاهيم المختلفة لعلاقات المحتمع المدني- الاقتصادي، نجد تجريديةً موضوعويةً صارمةً [6] بما يهدد بإضعاف اندفاع قوى السوق لتشكيل المجتمع المدني. من جهةٍ أخرى يبدو أنّ السوق يؤمن المادة والقاعدة الاجتماعية للمجتمع المدني المستقل ضد الدولة، ومن جهةٍ أخرى يبدو أنه يقوض روابط التضامن الاجتماعي ويقيد استقلال وتعددية المجتمع المدني. فيما تعتبر النقاشات المعاصرة الدولةَ الخطر الرئيس على المجتمع المدني والمصدر الأساس للقمع السياسي، فإنّ نقاد عصر التنوير مثل فرجسون حذروا من الخطر الذي يشكله السوق على الحياة العامة.

فيما أكدت أعمال فرجسون وماركس وهيغل وغيرهم من كتاب القرنين الثامن عشر والتاسع عشر على حقيقة الطابع الإقصائي للمجتمع المدني، وشدّدت مع ذلك على الحرية والحقوق الليبرالية كميدان للاندماج والمساواة، فإنّ الطابع الاجتماعي للمجتمع المدني قد تلقى في الفكر المعاصر القليل من النقد. مناهضوالدولة الذين هيمنوا على نقاشات المجتمع المدني في الثمانينيات وأغلب التسعينيات عزّزوا صورةَ المجتمع المدني كتعددية منسجمة وموحِّدةٍ لناس يناضلون لآجل تعزيز الحريات السلبية ضد قهر الدولة، سواءً أكانت اشتراكيةً أم أوتوليتارية أم عسكريةً أم ديكتاتوريةً من السهل أن تنمحي بسهولةٍ بظهور الإنقسامات وعدم تسييس المجتمع المدني. في محاولتهم المفيدة جداً لقياس حالة القطاع غير الربحي، وقع سالامون وإنهايير في إغراء التعددية والتنوع. في قياسهما للقطاع غير الربحي وضعا جنباً إلى جنبٍ صفاً طويلاً من المنظمات بدءً من مطابخ الحساء [7] إلى المشافي الخاصة. بعملهما هذا ساهما في إخفاء اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية التي تعبر عنهما هذه المنظمات.

في أواسط التسعينيات اكتسب المانحون خبرةً أكثر في محاولة بناء “المجتمع المدني” ولاحظوا كيف أنّ المجتمعاتِ المدنيةَ الناشئة في شرق أوروبا قد فشلت في تعزيز نفسها، لتأخذ غالباً طابعاً هدّاماً معادياً للديمقراطية، وازدادت التحذيرات من الانقسامات ونموعلاقاتِ القوة غير العادلة السائدة ليس فقط في الاقتصاد وإنما أيضاً في المجتمع المدني. إدراك أنّ ثمة حواجز لدخول المجتمع المدني وأنّ المجتمع المدني مجالٌ مثلُه مثَلُ الدولة والاقتصاد تمامًا، يدعم زيادة الاهتمام بين المانحين والسياسيين وصنّاع القرار بفكرة الاقتصاد الاجتماعي. في ظل عدم عدالة القوة الاجتماعية والاقتصادية هل من الممكن ضمان المساواة في تكوين الجمعيات والمشاركة في المجتمع المدني والسياسي؟ كيف يمكن للفقراء والمهمشين أن يجدوا صوتاً لهم في المجتمع المدني؟ كيف يمكن تمويل الجمعيات والحملات عندما تكون أصول رأسمال الشركات والجماعات الاجتماعية المسيطرة أكبر بكثير؟ أي مصالح للمانحين تدفعهم لتقوية البرامج في مجتمعاتهم المدنية؟.

تقوية المجتمع المدني، تحديات للمانحين

الوكالات الأمريكية هي أكبر ممولي برامج مساعدات المجتمع المدني، لكن الطريقة التي تتصور بها المجتمع المدني وتتطلب تفعيله لها ذيولها ليس فقط بالنسبة للمانحين الآخرين، ولكن أيضاً للمجتمعات المدنية التي هي مقصد العروض لتفعيل المجتمع المدني. يجب أن يُلاحظ على كلِ حال أنَ المؤسسات المانحة تختلف في غرضها من استخدام مصطلح المجتمع المدني وفي حماستها للمجتمع المدني. أيضاً في المؤسسات توجد بين الموظفين تمايزاتٍ في تقبل المجتمع المدني وتوقعات ما يمكن تحقيقه وما هوأكثر فعاليةً ومواءمةً للعمل مع المجتمع المدني.

بالتسليم بأنّ مصالح الأمريكيين تجد غرضها الأول في إشاعة الديمقراطية، فإنّ مساعداتِ المجتمع المدني منحازةٌ ومحددةٌ لدعم قاعدة مميزة من المنظمات المحلية التي يُفترَض أنّها تتقاسم نفس القيم والأهداف. مساعدات المجتمع المدني بأية حالٍ ليست محددةً لتعزيز الديمقراطية، إنها متوافقةٌ مع جدول أعمالٍ أوسع للترويج للنيوليبرالية الاقتصادية-السياسية، الشراكة بين الحكومات المحلية مع جماعات رجال الأعمال، الاستشارات والجدل حول التوجهات والسياسات الاقتصادية [8] ضبط وتخفيض الفقر ودعم المؤسسات الاستشارية الاقتصادية النيوليبرالية [9] والمراكز السياسية، كل ذلك يخدم في صياغة توافق حول سياسات الخصخصة والليبرالية الاقتصادية.

كيف يسعى المانحون إذاً لتقوية المجتمع المدني وأية تحدياتٍ يفرضها هذا الوضع؟ جهود المانحين لتدعيم المجتمع المدني تأخذ عدة أشكال. هذا يتضمن إنشاء برامج نوعية لتقوية المجتمع المدني، غالباً ضمن برامج عن الديمقراطية والحكم، برامج نوعية عن بناء القدرة المؤسساتية لمنظمات المجتمع المدني، إطلاق شراكةٍ بين منظمات المجتمع المدني والحكومة والأعمال، دعم الاستدامة المالية للمجتمع المدني عبر دعم المؤسسات المحلية والمنظمات الخيرية. هذه المحاولات لتفعيل المجتمع المدني هي محاولات إبداعية تعد بفتح طرقٍ جديدة لمشاركة مختلف الأصوا ت المهمشة، كما يحاولون مقاومة المقاربة المتناقضة جوهرياً تجاه العلاقة بين المجتمع المدني والدولة، مفترضين أشكالاً تعاونيةً أكثر منها عدوانيةً لعلاقة متبادلة. إلى حدٍ معين فهم يعترفون ضمنياً بالأبعاد المتعددة للأفراد، وتعدد هوياتهم ودوافع التعايش المتناقضة والمصالح. من جهةٍ يسعى رجال الأعمال هؤلاء للربح ربما، لكنهم يملكون وهياً اجتماعياً يمكن أن يُعَزَّزَ من أجل المصلحة العامة. على كلٍ فهم يُظهرون الجدل والتناقضات التي يواجهها المانحون في محاولتهم بناء المجتمع المدني من الخارج. هنا نركز على ثلاثة تحدياتٍ، خاصةً سياسات التعددية والاختيار، السياسات الجامعة وسياسات الاستقلال والتبيعة.

سياسات التعددية والاختيار

تجنّب بعض الدارسين استخدام المجتمع المدني مركزين على المفهوم التقريبي والإشباع الإيديولوجي وغموض المرجعية. بإثقاله بمعاني واستخداماتٍ ذات أغراض مختلفة يعتبر ضعيفاً ليخدم جيداً كأداة تحليل دقيقة أوكوحدةٍ مستقلةٍ للبحث. مثل الديمقراطية يبدو المجتمع المدني ظاهرياً جيداً ليكون مرغوباً به كفايةً من الجميع. هكذا بدون تعريفٍ أدق يبدو كحلوى لطيفة اللون، كسكرٍ على اللسان لكن قوامه كالهواء.

فيما حاول الأكاديميون والباحثون غالباً أن يتجنبوا عدم الدقة في معالجتهم التجريبية للمجتمع المدني، فإنّ الجهاتِ المانحةَ التي واجهت مهمة تطوير وحضانة وتعزيز المجتمع المدني أُجبِرَت على محاولة وضع تصور لهذا المفهوم بدون فكرةٍ عما يشكل المجتمعَ المدني. كان من المستحيل دعم هذا الفضاء المختلف بدون الملامح، الوثائق العامة والبرامج والنقاشات بين ممثلي الجهات المانحة تكشف نقاط الالتقاء والاختلاف بين المانحين حول كيف يُعَبَّر تجريبياً عن المجتمع المدني.

بالنسبة لكل المانحين فإنّ المجتمع المدني معرفٌ غالباً وفق النمط السوسيولوجي على أنه منظمةُ فضاءٍ وسيط. وهي غير السوق فهي غير ربحية وليست كالدولة فهي غير تسلطية. باعتمادهم خطاب المجتمع المدني اضطر المانحون إلى التفكير في مصطلح أوسع من المصطلح التقليدي “منظمة غير حكومية للتنمية”. فيما يعترف المانحون أنّ المجتمع المدني يضم سلسلةً من الأشكال الاجتماعية ضمن مجالاتٍ متعددة مثل نوادي الشباب، منظمات حقوق الإنسان، نوادي كرة القدم، جمعيات علميةً، وبسبب طبيعة نشاطاتها ووجهات نظرها الإيديولوجية فإنها تنشط عملياً ضمن شريحةٍ أضيق من كعكة المجتمع المدني. كان ذلك يعني للبعض استمراراً لأشكال سابقة من العمل مع منظمات غراس روتس، منظمات التنمية غير الحكومية، فيما مكّن البعض الآخر من توسيع نشاطاتهم لتضم منظماتٍ مثل الإتحادات التجارية، منظمات حقوق الإنسان، جماعات الدفاع والأعمال. وفيما تفضل الجهات المانحة التمييز بين بعض المنظمات، تحاول العمل مع كل من يميل لتحديد المجتمع لمدني ضمن قائمة طويلةٍ أوقصيرةٍ من المنظمات التي لها جوهرٌ غير سياسي، صحيٍّ وتقنيٍّ في الساحة النقابية. التأكيد على هكذا قائمة يبرز معادلةً بين المجتمع المدني والتعددية بحد ذاتها ويتناقض مع افتراض أحادية الدولة. لكنّ القوائم تميل لإخفاء مختلف علاقات القوة بين منظمات المجتمع المدني والأصوات والمصالح المختلفة. صُنَّفت هذه المنظمات كما لوأنها تنشط ضمن شروط منافسة متكافئة، وتتشارك نفس القيم وتسعى لِمُثُلٍ مشتركة. البنك الدولي بتصنيفه المجتمع المدني على أنه مكانٌ للتعبير والمشاركة يخفي التيارات السياسية غير المنظورة والتوترات بين مختلف التنظيمات. هل نفترض أنّ صوت الجماعات المعادية للسامية مرغوبٌ أخلاقياً مثل الهيئات الديمقراطية؟ هل نفترض أنّ هذه الأصوات لها نفس الوزن؟ هل الجهات المانحة حياديةٌ تجاه مختلف الجماعات في المجتمع المدني؟ لا يمكن القول أنّ المانحين غير مهتمين بالنزاع المحتمل داخل المجتمع المدني. في الحقيقة فإنّ تقرير البنك الدولي للتنمية يشير إلى تباين المصالح وتفاوت توزيع القوة ضمن المجتمع المندي، إضافةً إلى القيود على بعض المنظمات. هكذا توترات وضِعَت في الهامش أوأُشير إليها بدلاً من إعطائها الاهتمام الذي تستحق.

تعريف المجتمع المدني الذي نشره المانحون يساهم جزئياً في عمليات مؤسسات مختارة للعمل معها. هذه الاختيارات تتم وفقاً لعواملَ مركبةٍ مثل أولويات خاصة ببرامج الجهات المانحة، الفلسفة والقيم التي توجه المانح، تصورات المانح عن الجماعات المحلية مع مراعاة قيمها، قدراتها، فعاليتها، تأثيرها. هكذا فإنّ معايير المانحين التي يعتمدونها لاختيار المنظمات ليست شفافةً، وفي الحقيقة فإنّ بعضهم ليس لديه استراتيجيةً واضحةً للاختيار بين المنظمات ويعتمدون العامل الشخصي. هذه المقاربة تعكس رؤيةً للمجتمع المدني كما لوكان الفتى الطيب في المعادلة الثلاثية. رؤيةٌ نوقشت من قبل، انبثقت من جدول أعمالٍ معادٍ للدولة يحمله أنصار المجتمع المدني، تدير الصراعَ في الجانب الأكثر ظلمةً للمجتمع المدني. بعض المنظمات مثل برنامج الأمم المتحدة للتنمية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية طورت نظاماً لتوجيه عملها مع المجتمع المدني.

كل الجهات المانحة جزء من سياسات المجتمع المدني والتنمية، هكذا فإنّ الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قد ذهبت بعيداً في توضيح أهدافها ومعاييرها. فشل المنظمات الأخرى في هكذا مسألة لم يكن تأثيرٌ على فعالية برامجها فحسب، وإنما جعل من الصعوبة بمكان على المنظمات المحلية فهم طبيعة وأهداف الوكالات المانحة. باتخاذ المعيار المحدد “غير ربحي”، “غير حكومي” كخطوةٍ أولى نحواختيار المنظمات تنمحي الرؤى والقيم التي تمثلها هذه المنظمات. سياسات الاختيار مغيبةٌ عن الرؤية، وهكذا فيما تمجد الوثائق العامة وخطابات الشراكة تعددية المجتمع المدني فإنّ الممارسة الواقعية التي تنعكس في المشاريع والبرامج تظهر أنّ عملية الاختيار التي تمت ليست مصادفة. على سبيل المثال فإنّ مؤسسات التمويل الدولية والجمعيات التجارية يُرَحَب بها أكثر من نظرائها من الإتحادات التجارية. هكذا إذاً فالمظهر الحيادي لخطاب المجتمع المدني يخفي جداول أعمال سياسية ويجعل من القيم والسيطرة الإيديولوجية غير مرئية.

السياسات الجامعة

ليس فقط لأنه يوجد تيارٌ لافتراض أنّ المجتمع ضمن الأمة / الدولة متجانسٌ في قيمه وأهدافه الأخلاقية، بل أيضاً لأنه لا يوجد إلا مجتمعٌ مدنيٌ واحدٌ في العالم. التمثيل الثلاثي والتفسير المتفق عليه لهذا في فكر التنمية السائد، لديه مخططات تفصيلية للحالة. رغم أنّ بعض الجهات المانحة كالوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أعطت اهتماماً للحجج النسبية وأكدت على الحاجة لمراعاة المقاربات والاستراتيجيات للطابع المحلى. البمجتمع المدني يُفهم على أنه قاعدةٌٌ شاملةٌ وعاملٌ شاملٌ، أكثر من ذلك، مع سيطرة الولايات المتحدة عاى تقديم معونات لمجتمع المدني فإنّ هذا العامل الشامل والقاعدة الشاملة قد حُذِفَت برؤية أمريكية للمجتمع المدني تجد جذورها في أفكار توكبيليان للروابط الذاتية. اختلط الحلم بالحقيقة، وهكذا انتهت الجهات المانحة بإسقاط رؤيتها كحقيقة طبيعية راسخة على مجتمعات أخرى. غيلنر لاحظ في تعليقه على النتائج الاستبدادية للثورة الفرنسية 1789 “المجتمع الإنساني –كما يبدو – لن يدع نفسه لتطبيقاتٍ بسيطة لمخططات يطرحها الفكر المحض”.

ضمن هذه النظرة تسعى الجهات المانحة لضمان الأنواع الخاصة من المنظمات التي تشكل المجتمع المدني، منظاتٌ رسميةٌ مثل الجمعيات التجارية، منظمات التنمية غير الحكومية، الكنائس، نوادي كرة القدم وما شابه لا تُعتَبَر جزءً من المجتمع المدني، وإنما منظمات غير رسمية مثل الجمعيات القائمة على القرابة التي تنتمي إلى التقاليد أوالماضي. بالنسبة للمانحين فإنّ أهم الجمعيات هي المنظمات غير الحكومية. تُعتَبَرُ المنظمات غير الحكومية مفتاحاً، أوفي الحقيقة مكوّناً طبيعياً لأي مجتمع مدني، لذلك حين تغيب يجب إنشاؤها. الكثير من برامج تقوية المجتمع المدني أُنشأت لذلك، خصوصاً في المجتمعات التي هي في حالةٍ انتقالية حيث المجتمعات المدنية مقيدةُ بشدة. المنظمات المنشأة من الخارج يعوزها هيئةٌ اجتماعيةٌ مميزةٌ لدعمها، وبالتالي يعوزها أيّ معنى سياسي اواجتماعي بالنسبة للمجتمعات المحلية. إنشاء المنظمات غير لحكومية من الخارج يضمن أيضاً أنها ستملك مضموناً ديمقراطياً أوطموحاً لتكون رافعةً لتغيير سياسي أواجتماعيٍ أوحتى اكتساب شرعية في السياق المحلى.

أهم من ذلك أنّ التصوراتِ المسبقةَ قد تعوض فهم القوى الاجتماعية المعقدة الداعمة لعمليات التحول السياسي. بالنسبة لهان تعيق هكذا مفاهيم البحث في تعددية المجتمعات المدنية. الطريقة التي تعالج بها مشاكل المحاسبة والثقة والتعاون ليست ما تعبر عنه الأشكال المؤسساتية في المنظمات غير الحكومية. في نقده للدعم الأمريكي للديمقراطية يشير كاروثرس إلى فشل الجهات المانحة في تقدير تعقيدات الحياة الاجتماعية والسياسية في مختلف المجالات، وتجاهلها الأهمية السياسية والاجتماعية للمنظمات التي لا تتوافق تماماً مع النظرة الأمريكية السائدة لعوامل المجتمع المدني “متعهدوالديمقراطية الأمريكية بذلوا جهوداً لفهم المجتمع المدني في شروطه ضمن المجتمعات لتقليدية المعقدة في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط. إنهم يتجاهلون بشكلٍ أساسي المكونات العديدة من قبائل وطوائف وجمعياتٍ قروية وجماعاتٍ فلاحية والمنظمات الدينية المحلية والجمعيات العرقية وما شابه ذلك من مكوناتٍ أساسية يصعب فهمها لأنها لا تنخرط مباشرةً في النشاط المؤيد للديمقراطية”. متعهدوالمجتمع المدني جابوا هذه البلاد ببعثات استقصاء المجتمع المدني وأعلنوا “توجد مجتمعات مدنية صغيرة جداً”، لأنهم وجدوا قبضةً من الجمعيات غير الحكومية على النمط الغربي تكرست لنشاطات غير متحزبة وللدفاع عن المصالح العامة على الصعيد الوطني.

التصور بأنّ بناء المجتمع المدني قد يكون المشروع الذي يمكن إنجازه في مهلة خمس سنوات يتحدى التجربة التاريخية.

سياسات الحكم الذاتي والتبعية

الضعف التاريخ للبرجوازية المحلية في العديد من دول الأفريقية جنوب الصحراء، والإنخفاض النسبي لدخل الفرد ساهم في إضعاف قاعدة التمويل المالي للمجتمع المدني، وتلازم تأثير المانحين في إنشاء وصياغة المنظمات المحلية. في موزامبيق وبنغلاديش، اثنين من أفقر بلاد العالم تعتمد الحكومة والمنظمات غير الحكومية بشكلٍ كبير على التمويل الخارجي لبرامجها ونشاطاتها بما يشبه حالة التحول في أوروبا الشرقية وبلدان الإتحاد لسوفييتي سابقاً، حيث الرأسمال المحلي ضعبف والمنظمات الليبرالية هشة. لعب المانحون دوراً أساسياً في تدعيم المجتمع المدني ازدهار الجماعات النسائية في صين ما بعد ماويعود جزئياً إلى دعمٍ من المانحين قُدِّم للإعداد لمؤتمر النساء العالمي الرابع عام 1995. نظراً لآنّ المانحين نادراً ما ينسحبون بشكلٍ كامل، فهكذا مجتمعات مدنية مبنية بشكل أساسي من الخارج وليس من الداخل، أصبحت قضية الإعتماد على المعونة والتصنيع والإستدامة على مدىً طويل قضيةً مهمة. الإعتماد على الخارج يؤدي إلى تشويه جداول الأعمال المحلية للمنظمات غير الحكومية المحلية التي تتنافس على التمويل وتصوغ برامجها ونشاطاتها حسب أولويات المانحين. في المجتمعات التي يكون فيها المجتمع المدني والمنظمات الديمقراطية هشةً فإنّ وصول المانح مع تصوراتٍ مسبقةٍ عما يجب أن يفعله المجتمع المدني وعما يمكن أن يكون، يمكن أن ينتهي بإضعاف قدرة المنظمات المحلية على تطوير رؤيتها الذاتية للمجتمع المدني، وإضعاف تصورها لكيفية إنجاز تغيير سياسي واجتماعي وحلولها الخاصة للمشاكل المركزية في حياتها. في بعض المجالات تتنافس الدولة مع المانحين لتشكيل المجتمع المدني حسب تصوراتهم مدعمين فهم المجتمع المدني على أنه ضد الدولة وتعزيز السياسات التدخلية للمانح.

هكذا مع تفعيل فكرة المجتمع المدني يواجه المانحون مسائلَ محددة وتناقضات تدعولإعادة التفكير في الإستراتيجية والهدف. تدخل المانحين في المجتمع المدني يخلق سياسته الخاصة لميدان معركة تضارب القوانين والقيم والرؤى لكيف يمكن تنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية ودور الفرد والجماعة والدولة فيها. ثمة سياسات للاختيار تؤدي إلى الإندماج أوالإقصاء. ثمة سياسات شراكة تعزّز قواعد ورؤى خاصة وتدير عناصر الصراع في العلاقات داخل المجتمع المدني، وبين المجتمع المدني والدولة والسوق. المجتمع المدني لا يعير نفسه لعوامل خارجية، ومن غير الممكن أن ينشأ بمخططات في مكاتب في واشنطن ولندن. المجتمع المدني بأي حال له تاريخ ويجب أن يتطور بالتناغم مع مكوناته التاريخية السياسية والثقافية. باعتبار السياسات الجامعة والاختيار علاقات قوة متفاوتة. وفقاً لذلك من المتعذر تجنب سيطرة الوكالات المانحة بمصادر تمويلها المالية والبشرية والمعرفية على التفاعلات مع الصناديق المتلقية. هذا بدوره يُظهر التناقض، إنّ منظمات المجتمع المدني التي يفترض أنّها تتميز بسمة الاستقلال تنتهي بالتضحية بهذه الاستقلالية بدرجاتٍ متفاوتة باعتمادها على تمويل المانحين، هذا سينعكس في التنافس بين المنظمات غير الحكومية على التمويل على حساب سعيها لتحقيق تحالفات واستراتيجيات مشتركة، والتلاعب بالبرامج بدلاً من استراتيجية منسقة للتغلب على المشاكل التي تم تحديدها عموماً، وتبني أولويات المانحين لتعزيز النشاط ، وأخيراً وجود المنظمة ذاتها. بدون تحليلاتٍ دقيقة وحذرة ومسبقة للحاجات وللمجال الاجتماعي والسياسي فإنّ تدخل المانحين في المجتمعات المدنية المحلية يمكن لأن ينتهي بتشويه وإضعاف برامج الحلول والعمليات المحلية للجمعيات.

نتيجة

عبر هذا الإستعراض للمجتمع المدني نعير اهتماماً لبعض الطروحات الموضوعة من قبل مانحين وباحثين حول العلاقة بين المجتمع المدني والديمقراطية والسوق. إيجازاً للمقاربتين المميزتين للمجتمع المدني، أعني المقاربة السائدة والمقاربة البديلة، نودّ التأكيد على أنه توجد سياسات للمجتمع المدني وأنّ هذه السياسات بدورها تصطدم بمحاولات تفعيل المفهوم. نحن لا نتفق مع المشككين الذين يرون مفهوم المجتمع المدني غامضاً ومشوشاَ جداً بما يجعله غير صالحٍ لأي استخدام عملي أوثقافي. نحن نظن أنّ على الجهات المانحة كانت ثنائيةً أم متعددة الأطراف أن تكون شفافةً في فهمها لما يشكل المجتمع المدني وفي طروحاتها حول العلاقات بين المجتمع المدني ونشر الديمقراطية والتنمية الاقتصادية. يجب على المانحين الإعتراف أن ثمة سياسات للمجتمع المدني وأن المجتمع المدني ليس خطاباً محايداً ولا قاعدة وكالات محايدة. على المانحين أن يعترفوا بدورهم كممثلين في دراما المجتمع المدني. عليهم أن يكونوا متفهمين ومنفتحين على المقدمة التاريخية لجداول أعمالهم حول المجتمع المدني والعوامل التي تحدد دعمهم لمنظمات محددة مختارةٍ في المجتمع المدني، هذا بدوره يوسع الفرق بين المفاهيم النظرية والتجريبية للمجتمع المدني، الاعتراف بالمجتمع المدني كما هولا كما يجب أن يكون، هذا يعني تجاوز كل المخططات لأجل إدراك الرؤى الموضوعية للمجتمع المدني ووضع التحليلات السياسية والاجتماعية في سياقها وهذا ينير تدخلات المانحين. هذا بدوره يستلزم هدم التصورات الصنمية عن المنظمات غير الحكومية كرافعةٍ أولى للمجتمع المدني. الإعتراف أنّ أي منظمةٍ مبنيةٍ بعلاقات اجتماعية تاريخية خاصة. أيضاً ثمة حاجة للتفكير بصوت عالٍ حول المجتمع المدني وعدم المساواة والفقر، نحن بحاجة لتحويل المناقشة الأحادية للتركيز على المجتمع المدني مقابل الدولة. نحتاج لنستكشف نقدياً وعن قرب أكثر الروابط بين المجتمع المدني والرأسمالية، وبين المجتمع المدني وتخفيض الفقر. هذا بدوره يتطلب إعادة النظر في دور الدولة بالتنمية. من الممكن أن يوفر المجتمع المدني منهاجاً جديداً للتفكير في دولة التنمية. هذا المفهوم يدفعنا للتساؤل كيف يمكن لجمهور مشارك وفعال ألا يدافع عن المواطنين بوجه الدولة وشارك في التفكير والجدال حول الصالح العام للمجتمع، وكيف يمكن للدولة الديمقراطية أن تلعب دوراً في هذه العملية.

على ضوء التحديات المتعددة التي تواجه المانحين في دعمهم للمجتمع المدني، ثمة تساؤلاتٍ أيضاً عن أي المانحين يمكن أن يفعل الأفضل؟ هل على كل المانحين أن يسعوا لدعم المجتمع المدني والعمل معه بنفس الدرجة والطريقة؟ لبعض المنظمات غير الحكومية من الشمال تاريخٌ طويلٌ وثابتٌ نسبياُ في التعامل مع جماعاتٍ محليةٍ تتبنى نفس القيم والأهداف. هكذا تعاون يسبق وصول برامج دعم المجتمع المدني المعلنة، وفي الحقيقة فإنّ هذه المنظمات غير الحكومية نفسها ليس لديها برامج معلنة. هل أفضل مكان لدعم وللعمل مع المجتمع المدني المحلى هوالجنوب؟ هل هومن المناسب أكثر للأطراف الثنائية واملتعددة أن تركز جهودها في تنشيط بيئة ممكنة لمنظمات المجتمع المدني؟ هل من الجوهري أن يكون الفضاء الثقافي والاجتماعي للمجتمع المدني محمياً ومزدهراً وبهذا يمكن للناس أن تناقشَ بانفتاح وبروح نقدية الصالح العام وأنت تجرب الوسائل البديلة لتنظيم الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية؟.

ترجمة: علي عبد الرزاق

حواشي

[1] Grass Roots; حركات سياية محلية تسعى لجعم الحزب المحلى الذي يقوم بدوره بدعم الحزب على مستوى الولايات المتحدة. أول من استخدم هذا التعبير هوالسناتور البرت بيفردج Albert Jeremiah Beveridge; عن ولاية إنديانا، الذي أعلن أن الحزب التقدمي “هذا الحزب أتى من جذور الأعشاب، لقد نشأ من روح الناس وحاجاتهم الأساسية”. تنشط هذه الحركة ضمن تجمعات صغيرة وتتنوع برامجها من الترويج للطاقة النظيفة إلى مناهضة الحروب. يوجد مستوى ضعيف من التعاون بين هذه الجماعات على المستوى الوطني. أساليب نشاط هذه المجموعات تتنوع بين اللقاءات الجماهيرية الكبيرة وتوزيع الملصقات وجمع التواقيع للعرائض والتحدث مع الناس في الشارع وتنظيم مظاهرات أودعم حملة مرشح ما. (المترجم).

[2] سياسات التكيف الهيكلي SAPS مصطلح يعبر عن الإصلاحات السياسية والاقتصادية المفروضة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على البلدان النامية. القيام بهذه الإصلاحات هوشرطٌ للحصول على قروض من هاتين المنظمتين أولتخيض الفائدة على القروض الممنوحة. وهذه الإصلاحات ترمي للتأكد من أنّ القروض ستصرف في الوجه الذي منحت من أجله. أهداف القروض هي إحداث تنمية في البلد المقترض ورفع الدخل القومي وتسديد ديون البلد. تفرض سياسات التكيف الهيكلي اقتصاد السوق المترافق مع تغييرات على المستوى الاقتصادي كالخصخصة وإلغاء الحواجز أما التجارة. هذه السياسات كانت عرضةً لنقد شديد حيث أنها وضعت البلاد التي تلجأ لها تحت رحمة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مما يعرض سيادتها للانتقاص. فيما لم تثبت برامج الخصخصة نجاحها في تسريع عملية النمووالحد من عدم المساواة الاجتماعية، راحت سياسات صندوق النقد الدولى والينك الدولي تتغير لتقترح سياسات خفض الفقر بدلاً من سياسات التكييف لهيكلي. لكن هذه لم تؤتِ ثماراً كثيرةً وما زالت تدخلات المنظمتين في عملية صنع القرار في البلاد المدينة كبيرة. (المترجم).

[3] Robert Putnam: عالم اجتماع ومدّرس في جامعة هارفرد، صاحب نظرية طرفي اللعبة التي ترى أنّ الاتفاقيات الدولية لن تنجح ما لم تولد منافع على الصعيد المحلي. نشر في عام 1995 مقالته التي أثارت ردود فعلٍ غير مسبوقة “لعبة البولنج، انحطاط رأس المال الاجتماعي في أمريكا” يرى في هذه المقالة أنّ الولايات المتحدة تمر منذ الستينيات في أزمة وانحطاط في الحياة السياسية والاجتماعية والمؤسساتية بما يجر ذلك من عواقب وخيمة. في عام 2000 نشر مقالته “السقوط وحيداً” وكانت رداً على الانتقادات التي وجهت لمقالته الأولى، ويرى أنّ العديد من منظمات المجتمع المدني قد شهدت تراجعاً كبيراً في أعداد منتسبيها فيما تزداد أعداد الذين يسقطون أويمرون في أزماتٍ بشكلٍ كارثي. ميّز بوتنام بين نوعين من رأس المال الاجتماعي، الأول هورأس المال الرابط وهوأن تتشارك مع من يشبهونك في الدين أوالعمر أوالعرق، ورأس المال المجسّر وهو أن تقيم علاقاتٍ مع الناس المختلفة عنك. يرى بوتنام أنّ انخفاض رأس المال الرابط سىؤدي إلى انحفاض رأس المال المجسّر بما يؤدي إلى ازدياد التوترات العرقية. يعد بوتنام من رواد التوكيفيلية الجديدة. وجهت إليه انتقادات كتجاهله العديد من المنظمات الاجتماعية التقليدية وإهماله ظهور شبكات العلاقات والأشكال المؤسساتية الجديدة عبر الانترنيت. (المترجم).

[4] Neo Tocquevillians مدرسة فكرية تنسب للمفكر والسياسي الفرنسي اليكس توكيفيلي(1805-1859) Alexis Toquueville، ولد لعائلة من أنصار الملكية فقدت عدداً من أبنائها أثناء الثورة الفرنسية. درس القانون وعين قاضياً في فرساي 1827. ابتعث في مهمة إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة نظام السجون فيها واستمرت مهمته سنتين حيث ألّف كتابه الأول “عن نظام السجون في الولايات المتحدة وتطبيقه في فرنسا” هنالك استطاع دراسة وتحليل النظام السياسي الأمريكي وعنه كتب كتابه “الديمقراطية في أمريكا”. عند عودته من أمريكا ترك القضاء وانخرط في العمل السياسي، عارض ثورة 1848 التي أتت بالإمبراطورية الثانية التي أنهت ملكية لويس فيليب دي أورليان وأتت بالإمبراطور لويس نابليون (نابليون الثالث). اعتزل العمل السياسي بعد هذه الثورة التي اعتبرها انقلاباً وانصرف للتأليف. عُرِف عنه تأييده لإجراءات الفصل العنصري أثناء الإحتلال الفرنسي للجزائر. كان يرى أن طريق أمريكا للحداثة هي الإيمان الديني والوطنية وتحرير طاقات الفرد وإعطائه الفرصة للعمل والإبداع. لاحظ أنّ صيغة الحكم الديمقراطية الأمريكية تتعاون مع الجمعيات والمنظمات الاجتماعية الهادفة لتحقيق عدد لا يحصى من الأهداف غير السياسية. بمقارنة ذلك مع فرنسا ما بعد الثورة التي وجد أنّ فيها مركزيةً للسلطة والقليل من الجمعيات والقليل من الديمقراطية. رأى أنّ العمل التطوعي يعلم الناس التعاون. لذلك كان ميّالاً لتحجيم دور الدولة. أفكار توكيفيل تشكل الأساس لليبرالية التوكيفلية الجديدة التي تركز أساساً على ما يولده القطاع الخاص من آثار إيجابية على الحياة السياسية الاجتماعية، هؤلاء يسعون لإيجاد بيئة لازدهار الرأسمال الاجتماعي، خصخصة النظام الاجتماعي ويؤمنون بسيطرة السوق العائلة والمؤسسات والشبكات الخاصة. (المترجم).

[5] Keynesian نظرية اقتصادية تقوم على أفكار الاقتصادي البريطاني. ترى أنّ الاقتصاد المختلط ذلك الذي تلعب فيه الدولة مع القطاع الخاص دوراً هاماً. يرى أنّ الدولة يمكن أن تلعب دوراً هاماً في زيادة الطلب وفي التوظيف، ويرى أنّ الدولة في فترات الأزمة مسؤولة عن إنقاذ الاقتصاد بزيادة الإنفاق مما يشجع الأفراد على الإنفاق فيزيد الطلب والاستثمار ويعود الاقتصاد لحاله.(المترجم).

[6] Thematisation: مصطلح يعني تجريد الشيء أوالشخص من الشروط والظروف المحيطة به وتحويله موضوعاً للبحث. أصبح طريقةً في تحليل ودراسة الظواهر الاجتماعية والاقتصادية. (المترجم)

[7] soup kitchens منظماتٌ خيرية أوورشات عمل تابعة لمنظمات خيرية تعنى بتقديم وجبات الطعام للمشردين.(المترجم).

[8] Macro Economic فرع من الاقتصاد يهتم بالظواهر والبنى وطريقة أداء الاقتصاد الوطني ككل، ويطمح لفهم  اتجاهاتِ وعواملَ اقتصادية محددة، مع التركيز خاصةً على الدخل القومي، الاستثمار، البطالة والتجارة الخارجية. بذلك يختلف عن ال Microeconomic الذي يهتم أساساً بسياسات تحديد الأسعار ودور السعر في حيازة المواد القليلة والنادرة.(المترجم).

[9] think-tank مؤسسات الأبحاث التي تعرض استشاراتٍ وأفكاراً حول قضايا سياسية وتجارية   ومصالح عسكرية. (المترجم).

Download source